مي عزام تكتب: السيسي.. ومفهوم المائدة المستديرة

 

(1)
منذ بدأت وزارة الصحة تعلن عن حالات مصابة بفيروس كورونا في مصر، كان هناك توقع بظهور الرئيس ليلقي بيانًا يطمئن فيه المصريين عن الإجراءات التي اتخذتها الدولة لمواجهة هذه الجائحة وتداعياتها، مرت أيام ولم يظهر الرئيس، وهو ما أطلق الكثير من الشائعات حول حالته الصحية، ومؤخرا، خرج الرئيس بمناسبة الاحتفال بيوم المرأة وسط مجموعة من المسئولين في الدولة وشحصيات عامة نسائية وأمهات مثاليات، منهن من فقدت ابنًا غاليًا في معركة الجيش والشرطة ضد الإرهاب الملعون.
(2)
ظهور الرئيس وأد الشائعات، اختار السيسي أن لا يظهر منفردًا، كما فعل معظم زعماء العالم، بل كانت طلته حول مائدة مستديرة، ومفهوم المائدة المستديرة معروف: المساواة والمشاركة، لم يتميز السيسي عن غيره من الجالسين ولم يخصه أحد بمقعد خاص كما يحدث في مؤتمرات الشباب وأثناء افتتاح المشاريع.
صوت الرئيس كان هادئًا ونبرته عطوفة، لم يذكر خلال كلمته الطويلة إنجازات فترته، ولم يتحدث عن تدابير فاقت التوقعات بل بدا طرحه واقعيا ومتواضعا، وهو ما أعاد إلى ذاكرتي السيسي في 2013 حين كان قريبًا من قلوب المصريين ببساطته وتواضعه، وتذكرت عبارته الشهيرة “انتو نور عينينا”، ووصفه للشعب المصرى بأنه: “شعب لم يجد من يحنو عليه”، حينذاك كان يتحدث عن قدرة مصر وإمكانياتها المتمثلة في مواردها المادية والشعبية، كان يردد عبارة “مصر أم الدنيا وستكون قد الدنيا” ويهب المصريين أملاً وفخرًا، لم يذكر حينذاك العوز والفقر كما فعل بعد ذلك وأصاب المصريين بخيبة أمل.
في كلمته الأخيرة لم يذكر مرة واحدة فقر الدولة المصرية ولم يرد فى خطابه عبارة “معنديش أديك”، بالعكس، طرح الرئيس حزمة قرارات ستتحمل الدولة تكلفتها العالية ماليًا لتعويض الفئات المتضررة من آثار كورونا، وخسائر قطاع الطيران والسياحة وغيرها، 80% من القرارات التي أصدرها السيسي تصب فى صالح المستثمرين والمصدرين وأصحاب المصانع ورؤوس الأموال و20% تصب في صالح غير القادرين والبسطاء، بدا الأمر وكأن الرئيس يعقد هدنة وتصالحًا مع رجال الأعمال وأصحاب الثروات في مصر، ذاكرًا إياهم بالخير وأنهم قدموا الكثير من التبرعات لصندوق تحيا مصر، ولم تعد عبارة ” هتدفعوا يعنى هتدفعوا” واردة.
(3)
سبق بيان الرئيس، الإفراج عن عدد من المسجونين احتياطيا، لم يتطرق الرئيس للأمر في كلمته، ولم يتطرق لموضوع الإفراج عن مزيد من المسجونين احتياطيًا، مع وضع معايير وشروط، تخوفًا من تفشى فيروس كورونا بينهم كما توقع البعض، وناشدوا الرئيس بذلك أسوة بما حدث في دول أخرى، وهذا يؤكد عدم حدوث تغيير في موقف النظام تجاه هذا الملف الذي يختلف حوله الرأى العام، ويمثل سببًا من أسباب الاحتقان المجتمعي.
في كلمته، شكر الرئيس الحكومة والجيش والشرطة كعادته، وأثنى على أداء الإعلام، كما تقدم بالشكر للأطباء والأطقم الطبية، وهي الفئة التي تتحمل العبء الأكبر في هذه المحنة القاسية، بسبب الاختلاط بالمرضى وحاملي الفيروس، العديد من الأطباء وأطقم التمريض انتقدوا أوضاع المستشفيات الحكومية ومعاناتهم من نقص المستلزمات الطبية والوقائية،قدم الرئيس دعما للأطباء ولو أنه حتى الآن لا يرقى لتطلعاتهم في حياة كريمة، فزيادة بدل المهن الطبية جاء ضعيفًا للغاية.
(4)
تحدث الرئيس عن سخرية المصريين من أداء بعض القطاعات الحكومية على “السوشيال ميديا”، وهذه المرة كان متسامحًا ومتفهمًا لطبيعة الشعب المصري وعشقه التاريخي للسخرية والتنكيت، لم يكن غاضبًا أو متذمرًا، ولم يذكر نظرية المؤامرة ومكائد أهل الشر للإضرار بمصر حقدًا على ما وصلت إليه الدولة من إنجازات في عهده.
بشكل عام، شاهدت فى اجتماع الرئيس تغيرًا ملحوظًا في لهجته وطرحه، وأشعر أيضًا بأن تصريحاته اأاخيرة تصب كلها في صالح جموع المصريين، ويبدو فيها متجاوبًا مع الرأي العام ويحرص على سرعة الاستجابة لما يبديه المصريون من قلق، كما حدث بالنسبة لمعهد الأورام، ولا أعرف هل هذا تغير مؤقت نتيجة محنة كورونا التي لا يستطيع أحد التنبؤ بكل تداعياتها؟ أم أن الأمر سيدوم وأن هناك مراجعة لأسلوب الحكم وإدارة الدولة؟ وهو ما أتمنى أن يحدث بالفعل.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button