محمود القيسوني يكتب: عالمنا.. الذي لا نعرفه

يوم 1969/7/20 بعد سلسلة هائلة من الأبحاث والدراسات والاختراعات، هبط الإنسان على سطح القمر وسار عليه، ثم عاد للأرض.. إنجاز هز العالم أجمع واعتقد البعض- وما أضعف الإنسان- أننا بلغنا قمة المعرفة في كل شيء، وهو بالطبع ما لا يطابق الواقع، فيومًا بعد يوم نكتشف أننا نعيش في عالم مليء بالغوامض والأسرار والمفاجآت، والتي تظهر لنا كل حين وآخر لتصدمنا وتبهرنا وتجبرنا على التواضع، وتؤكد لنا أننا فقط نعلم القشور.
فعلى سبيل المثال، نعتبر أن الغوص لعمق خمسة أمتار فقط فعل مجهد ومخيف، فما بالنا بأربعة آلاف متر في الظلام الدامس والمياه المثلجة، فعندما غرقت الباخرة “تايتانك” فى 14 إبريل 1912، لم يتخيل إنسان وقتها عمق المياه أسفلها، وأول سبتمبر 1985 تم اكتشاف حطامها بقاع المحيط على عمق حوالي أربعة كيلومترات، وهو ما شكل ضغطًا هائلا على السفينة فشطرها نصفين أثناء هبوطها للقاع، وعندما استقرت بالقاع كانت المسافة بين النصف الأمامي والنصف الخلفي حوالي ستمائة متر، أي أكثر من نصف كيلو، وهي تفاصيل صدمت العالم.
وعام 2003، تم انتشال جثة حبار عملاق من مياه القطب الجنوبي، والذي كان يمثل أسطورة خيالية فقط تذكر في القصص، مثل قصة “عشرون ألف فرسخ تحت الماء” للروائى الفرنسى جول فيرن، والذي ألفها عام 1870، ولم يتخيل أحد أن هذا الكائن موجود فعلاً في الأعماق المظلمة السحيقة من المحيطات، وكل ما كنا نعلمه عن احتمال وجوده هو أنه عام 1925 عند تشريح جثه حوت ضخم، وجد في أحشائه ذراعين ضخمين طولهما وحجمهما أذهل علماء البحار، ولم يسجل هذا الحدث علميًا لعدم رصد ومشاهدة هذا الكائن الأسطوري، وتكرر الاكتشاف خمس مرات بعد ذلك من جراء تشريح لحيتان، ومرة سادسة وجد في شباك باخرة صيد عملاقة كانت قد أسقطت بأثقال على عمق 2.5 كيلومتر تحت سطح الماء.
وكان العالم يعتقد، حتى تاريخ انتشال هذه الجثة العملاقة، أن أكبر حبار هو الذي يبلغ طوله ثمانية عشرة مترًا، أي أطول من أضخم حوت بحوالي ثلاثة أمتار (شاهدت جثة هذا الكائن المرعب بتصريح خاص بالطابق أسفل الأرضي بمتحف التاريخ الطبيعي بلندن عام ٢٠١٨ وكان معروضًا داخل صندوق زجاجي ضخم صنع خصيصًا بالولايات المتحده الأمريكية ومغطى تمامًا بسائل يحفظه).
لكن انقلبت هذه المعلومة بإضافة هذا الكشف، والذي يبلغ طوله حوالي خمسة وعشرون مترًا وأكثر، وتأكد للعالم بعد ذلك من متابعة دراسة جثث وجدت طافية وممزقة لحيتان عملاقة، على أجسادها دوائر مستديرة تعتبر بصمات لمصاصات كبيرة، وآثار لمخالب حادة، أن هذا الحبار الهائل الحجم يتغذى على الحيتان، وأن ذراعيه العملاقين توجدان بأطرافها بالإضافة للمصاصات والتي تسهل عملية الالتصاق والتشبث بالفريسة، مخالب قاسية تضيف إمكانية أكبر في الاصطياد، وهو ما وضع هذا المخلوق اليوم كأضخم كائن بحري مفترس فى بحار العالم، مشاهدته تثير الهلع والرعب.
كما اكتُشفت منذ عدة سنوات غابة تضم كائنات من طيور وحيوانات وحشرات وأشجار وزهور عملاقة لم يعلمها العالم من قبل، ما دفع العلماء لتسميتها بالعالم المفقود، هذا الكشف يقع على الجبال الشمالية من جزيرة بابو غينيا الجديدة، داخل حدود إندونيسيا على ارتفاع كيلومترين ومساحة عشرة آلاف كيلومتر مربع، كل ما فيها لم يمس ولم تره عين بشرية من قبل، فلا وجود لبشر داخل هذه الغابة، والتي ساعد تشابك أشجارها ونباتاتها بشكل محكم تكون جدار عازل استحال اختراقه، فتم إنزال 13 عالمًا من إندونيسيا وأستراليا والولايات المتحدة الأمريكية في جميع التخصصات بالطائرات العمودية وسط هذا العالم، حيث مكثوا شهرًا كاملاً يسجلون ويصورون ويدرسون، وواجهوا مصاعب جمه، فلا وجود لممرات ولا مدقات والتحركات كانت بالغة الصعوبة وسط هذا العالم المتشابك.
وقد أذهل العلماء مشاهدة رقصات ذكر عصفور الجنة الرائع الجمال أمام أنثاه، كما أذهلهم عدم خوف كل هذه الكائنات من الإنسان، مما مكنهم من حملهم ومداعبتهم وتصويرهم عن قرب، وقد اكتشفوا عشرين نوعًا جديدًا من الضفادع، أحدها متناهي الصغر (حوالي سنتيمتر ونصف) وخمسة أنواع جديدة من النخيل، وأزهارًا جديدة كبيرة الحجم، وأربعة أنواع من الفراش لم تشاهد من قبل، ومجموعة طيور زاهية الألوان أيضًا لم يعلم بها العالم من قبل، وقد تم سحب المجموعة بالطائرات وإعادتها بعد عام، لاستكمال دراسة هذا العالم المنعزل.
وعودة مرة أخرى للمحيطات، فقد اكتشف العلماء جبلاً أسفل سطح الماء بالمحيط الأطلنطي، محاطًا بحلقة متشابكة من الأعشاب المرجانية شرق جزر الكاريبي وجزر كوبا، حول هذا الجبل المعزول تسبح فصائل لم تشاهد من قبل من الأسماك، وعليه كم هائل من الأعشاب الرخوية والصلبة لم تمس ولم تشاهد من قبل، وجارٍ الإسراع في إعلانها محمية بالقوانين الدولية، فقد غاص 12 عالم أحياء بحرية لهذا الجبل، حيث شاهدوا 12 نوعًا جديدًا من الطحالب البحرية، وكمًا هائلاً من الكائنات البحرية، لكنهم صدموا من وجود هذا الكنز البيئي مقاربًا لخطوط سير ناقلات البترول العملاقة، مما يهدد هذه الكائنات، لذلك هناك سباق مع الزمن لإصدار إعلان دولي يحمي هذا الموقع بالكامل.
وبصحارى شمال أفريقيا الغربية، اكتُشفت بحيرة معزولة تمامًا عن أي مصدر مائي، تعج بالتماسيح، والتي ثبت أنها تستعمر هذه البحيرة منذ آلاف السنين، وجارٍ حالياً دراستها.
وبالمغارات العميقة جدًا في باطن الأرض بالمكسيك، وفي الظلام الدامس، اكتُشف نوع من العناكب الكبيرة السامة، لم تكتشف من قبل، وبعد ذلك نعتقد أننا بوصولنا للقمر أصبحنا على علم كامل بكل ما هو على كوكب الأرض.. ما أكبر غرور الإنسان.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button