معصوم مرزوق يكتب: أوراق مسافرة

ها أنا ذا.. معلق في سماء العالم الممتد، بينما قلبي هناك مرشوقًا في أرض الفراعنة كوتد، كأن رحلاتي بجسدي طائرات ورقية مشدودة بحبل سُرّي إلى أرض الوطن.
نعم.. هو العشق الذي يشبه عناق شجرة من الشوك، هو يقظة الوجد وغياب الواحد في المجموع، هو لحظة التحقق والكشف ولحظة الالتحام بشمس تضيء ولا تحرق، هو الكلمات المشرأبة سعيًا إلى خلود لا يطال.
في الطائرة جلس إلى جوارنا أمريكي كهل، كان في زيارة إلى مصر بهدف نعنشة عظامه التي بلغت خدمتها 65 عامًا، كان يثرثر طول الوقت خلال الرحلة التي بلغت 12 ساعة، عبثًا حاولت الإفلات من حكاياته وأسئلته التي لا تنتهي، ادعيت النوم لكنه لم يعترف أبدًا بأن الأجفان حين تنغلق فإن ذلك يعني نومًا، حتى عندما تركت المقعد وزعمت أنني ذاهب إلى دورة المياه، واصل حديثه مع.. زوجتي!!
الأمريكي العادي لا يكاد يعرف ما يحدث خارج الولايات المتحدة، وأحيانًا خارج ولايته، وبعضهم يبدو كنباتات عملاقة لكنها طافية بلا جذور، وهذا الرأي لم يتكون نتيجة لحديث ذلك الكهل أثناء رحلة الطائرة، وإنما محصلة قراءات ولقاءات عديدة.
في بعض حوارنا قلت للكهل إن أمريكا قدمت للبشرية أهم اختراعين، وهما الكومبيوتر والقنبلة الذرية، إلا أنه قال بإصرار أن أهم ما قدمته هو American Dream أو الحلم الأمريكي، وعندما سألته عن مكونات هذا الحلم، تحدث الرجل لمدة نصف ساعة لكنني لم أفهم ما يعنيه من هذه الجملة الرشيقة، فربما هو حلم نفسي يحتاج لنفسية خاصة كي يمكن استيعابه، وربما هو مجرد وهم لأن إيقاع الحياة المادية قد بخر الأحلام، وفي الصراع المحتدم من أجل الدولار لا يمكن أن نتصور شخصًا حالمًا.
والاستنتاج الأول هو أن الأمريكي يؤمن بأنه يعيش في أحسن دولة في العالم، وأنه أسعد مجتمع، وأن المستقبل يخفي المزيد من السعادة والرفاهية.
إن النجاح بالنسبة للأمريكي يقاس بمعيار نسبي، فأن تعمل بشكل جيد معناه أن تعمل ما لا يستطيع أحد آخر أن يعمله، أو أفضل مما عملته أنت شخصيًا في الماضي، والنجاح يعني الربح، وهذا الربح يفترض وجود منافسة أزلية لا بد أن تنتهي بطرف ناجح وطرف خاسر، وأحيانًا يكون التنافس مع الآخرين– وهو أوضح أنواع التنافس– وأحيانًا يكون التنافس مع الذات، وحينذاك يتحول الإنسان نفسه إلى رابح وخاسر في آن واحد.
للوهلة الأولى تشعر بأن الحرية الفردية في أمريكا قد وصلت إلى درجة لم تصلها أي دولة أخرى في العالم أو التاريخ، لذلك فمن الصعب المحافظة على أي سر فيها، سواء أسرار الدولة العظمى، أو على المستوى الشخصي، ومن نتائج ذلك أمكن للمجتمع الأمريكي أن يواجه مظاهر الفساد، فوجدناه مثلاً يزيح رئيس دولة بعد فضيحة “ووتر جيت”، ويهاجم الحرب في فيتنام، وينتقد بشدة مظاهر التجاوز في الأجهزة الأمنية.
أمريكا بالفعل دولة فريدة في أشياء كثيرة، في تاريخها وسياستها واقتصادها وثقافتها وشعبها، بل وفي جغرافيتها، فعلي سبيل المثال لا تقسم أمريكا إلى مناطق جغرافية أو اتجاهات رئيسية فحسب، وإنما تنقسم زمنيًا أيضًا، ففيها أربعة أزمنة في نفس الوقت من ألاسكا إلى هاواي، وكذلك أربع مناطق: الغرب وشمال الشرق والجنوب والشمال المركزي، ومن ناحية السكان، فالتنوع أكثر حدة وأشد عمقًا، فلا زالت هناك أمريكا البيضاء وأمريكا السوداء، وأمريكا التي تتحدث الإنجليزية، وتلك التي تتحدث اللغة الإسبانية، هناك أجناس الأرض جميعًا وأديانها المختلفة، حتى إنه يمكن القول ببساطة أن أمريكا هي المتحف المعاصر للإنسان.
وبينما كانت الطائرة تتأهب للهبوط في مطار ج. ف. كيندي، قال لي جاري الأمريكي وهو يتثاءب: “إن أمريكا أمة عظيمة، لا تستطيع أن تحلم أحلامًا صغيرة”، فقلت له شاردًا: “فعلاً.. الأمم العظيمة لا ينبغي لها أن تحلم أحلاماً صغيرة، أو تتصرف تصرفات صغيرة”.
وكان عقلي يسافر تلك اللحظة في اتجاه عكسي إلى أرض النيل الشامخة، التي كانت وستظل علامة بارزة في تاريخ البشرية..

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى