مصطفى إبراهيم يكتب: في القول هوليوود.. وفي الفعل واشنطن

 

الحل سيأتي من أمريكا، مهما تعقدت الأمور وساءت الظروف وسادت الأخطار، يقينًا لن يأتي المنقذ إلا من ذلك البيت الأمريكي الأنيق، وبالتأكيد سيكون بطله مواطنًا عاديًا يلتزم بقوانين المرور ويزرع الورود في حديقة منزله، لكنه في المقابل يملك شخصية خفية لها من القوى ما لا قِبَل لبشر أو فيروس أو حتى “زومبي” به، سيدخل المعركة في اللحظات الأخيرة ليأتي بالنصر المبين للبشرية ويرفع العلم الأمريكي فوق شعلة تمثال الحرية…
صورة رسختها سينما هوليوود على مدار عقود، لا بد أن يأتي الحل من أمريكا، بغض النظر عن ما يواجهه العالم من خطر، فسواء كان الكوكب مهددًا من الشيوعيين أو النازيين أو المتطرفين الدينيين، سيكون الحل أمريكيًا خالصًا، ولا مجال لحصر الأمثلة في مقال، بل قد لا يكفي مجلد كامل لسرد أسمائها فقط، فآلة الدعاية الأمريكية تنطلق حصرًا من هوليوود، إذ أدركت الإدارة الأمريكية أن الآلات الدعائية التقليدية قدمت نموذجين واضحين للفشل في ألمانيا النازية وروسيا الشيوعية، ولم تستطع الصمود أمام التوجيه المطعم بإبداع سينما هوليوود.
استثمرت الولايات المتحدة هذه الإمكانات الإبداعية في طرح نفسها كمنقذ للبشرية من كل خطر، مهما احتدم وهدد وهزم الجميع، فأمريكا لا تُهزم في هوليوود، لدرجة أن شخصية كارتونية كـ”دونالد داك” أو بطوط كما يسمى بالعربية، استخدمت سياسيًا في محافل عدة للترويج للحلم الأمريكي، ومواجهة أعداء العم سام.
فاز الشاويش بطوط (وهذه رتبته الحقيقية في الجيش الأمريكي وليست على سبيل الدعابة) بجائزة الأوسكار عام 1942، في فيلم وجه الفوهرر der fuehrer’s face، الذي نقل خلاله صورة عن ألمانيا النازية لم تكن أغلب وسائل الإعلام قادرة على نقلها، ولعل حصول شخصية كارتونية على رتبة بالجيش الأمريكي أكبر دليل على ما قدمته من خدمات لسياسة الولايات المتحدة.
حولت هوليوود ثلاثية دان براون الرائعة “شيفرة دافنشي – ملائكة وشياطين – الجحيم” إلى أفلام سينمائية، أبدع فيها الممثل توم هانكس في تصوير عبقرية الأمريكي الفريدة، ولا مشكلة لدي في جزئي السلسلة الأول والثاني، لكن اللافت أن الأمر وصل إلى أن ينجح أستاذ جامعي متخصص في الرموز العتيقة ومتبحر في ثقافات روما القديمة وتاريخ كنيستها، في حماية العالم من انتشار وباء فيروسي خطير (والحق يقال فقد كان صانعه أمريكيًا أيضًا، ربما لأن أمريكا لا بد أن تكون محور كل شيء).
في فيلم الجحيم inferno، نجح البروفيسور لانجدون (توم هانكس) فيما فشلت فيه أجهزة وحكومات أوروبية كاملة، لأن الأمريكي أذكى من الجميع بالطبع، أكثر تضحية وإنسانية وعبقرية وإيثارًا من نظرائه حول العالم بكل تأكيد، لا يمكن أن نتخيل فضائيين مثلا يهبطون بسفينتهم في مكان غير واشنطن ليبدأوا خطتهم في احتلال الأرض، صورة ذهنية رسمتها هوليوود بإتقان على مدى سنوات، ترسخت تدريجيا في العقول، وصار الأمريكي- وهو مواطن لا تتعدى حدود معلوماته الولاية التي يعيش فيها على الأغلب- هو الأقدر على حماية الكوكب بالكامل من الأخطار.
فيروس كورونا (كوفيد 19) ليس الاختبار الأول الذي رسبت فيه واشنطن، مقارنة بدعاية هوليوود بشأن قدراتها، فحروب العراق وأفغانستان وفيتنام ليست بعيدة عن الأذهان، لكن عدونا الخفي الجديد أظهر “الحقيقة عارية” كما يقول المصطلح الإنجليزي، تبين أن الأمريكان ليسوا إلا بشرًا عاديين، لم يخرجوا بمعجزة طبية تنقذ العالم في أيام، لم يبتكروا خطة جهنمية للسيطرة على الفيروس، بل لم تستطع الإدارة في مكتبها البيضاوي التنبؤ بالأزمة وتقليل حدة آثارها مبكرًا، فانفرط العقد وصارت الولايات المتحدة، حتى كتابة هذه السطور، أكبر بؤرة للوباء في العالم بما يفوق 330 ألف إصابة ونحو 10 آلاف وفاة، والغريب أن العزيز توم هانكس لم يظهر إلى الآن، فلعل المانع خيرًا..

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى