ريهام العراقي تكتب: أليس منكم رجل رشيد؟

آلمنى كثيرا مشهد الأم التى وقفت تتوسل إلى رجال قرية “شبرا البهو” بالدقهلية، حتى يسمحوا لها بدفن ابنتها الطبيبة الشابة داخل المقابر، والتى تُوفيت إثر اصابتها بفيروس “كورونا”، وتخيلت للحظة أن هؤلاء المُحتشدين والرافضين دفن جثمان الطبيبة خوفا من انتقال العدوى لهم قد سُلبت قلوبهم من أجسادهم، واستُبدلت مكانها الحجارة لينطبق عليهم قول الله تعالى: “ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً”.
وتساءلت كيف لهذه السيدة أن تُمارس حياتها من جديد وأن تتخطى هذا المشهد القاسى وهى من فقدت فلذة كبدها ، وسيمر بذاكرتها شريط من الذكريات الحُلوة والمؤلمة ، تحمل سنوات طويلة سهرت فيها على خدمة فتاتها آملا فى التحاقها بكلية القمة كما يُطلق عليها ، وكانت تسير فخورة بلقب “أم الدكتورة” ، إلا أنها لم تكن تعلم ما يخفى لها الأيام وأنها ستُحرم من الوقوف على غُسلها أو تقبيلها على جبينها ووداعها الوداع الأخير ، بل حُرِّمَت من أبسط حقوقها الشرعية (إكرام الميت دفنه).
تكرار مشهد رفض الأهالى دفن جثامين ضحايا كورونا خوفا من انتقال العدوى إليهم ، فى أكثر من محافظة، وتدخل رجال الشرطة لتفريق التجمعات بالقوة، أصاب الجميع بالصدمة لسببين، السبب الأول لأنه ضد الإنسانية فكيف يمكن مقابلة الدور الانسانى الذى قامت بِه الطبيبة فى محاولة إنقاذ المصابين بـ”كورونا” بهذا الجحود والمشاعر الجافة.
أما السبب الثانى تشوه العادات والمبادئ التى تربينا عليها فى الريف المصرى، فأنا نشأت فى مركز منيا القمح بمحافظة الشرقية ، وقضيت ٢٢ عاما من حياتى هناك لم أرى فيها غلظة القلوب التى رأيتها اليوم، علمنى والدى رحمه الله حُب الناس واحترامهم ، فلم يعلو صوتى فوق صوت من يكبرنى، ولا يُغلق باب أمام جيرانى، ولا يفُتح الراديو أو التلفاز لمدة ٣ أيام كاملة عند وفاة جار لنا حرصا على مشاعره، وانعقاد مجلس العائلة يوم الجمعة فى نهاية كل شهر يرأسه الأكبر سنا والأكثر رُشدا، فى مبادرة لصلة الرحم وحل المشاكل وتقريب وجهات النظر بين أفراد العائلة.
أخشى من وقوع صدامات جديدة بين الأهالى والشرطة، فى ظل وقوع ضحايا فيروس “كورونا” بصورة يومية، وأوجه رسالة إلى أهالينا داخل القرى والمحافظات، أصحاب القلوب الرحيمة أن يفيقُوا من غفلتهم ويُحكموا قلوبهم وعقولهم، فالعدوى لا تنتقل من جثمان مُتوفى كورونا، حسب تصريحات منظمة الصحة العالمية، وعلينا أن نتكاتف جميعا ونقف صفًا واحدا حتى نخرج من هذه الأزمة الصعبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى