معصوم مرزوق يكتب: عندما قامت القيامة!

 

(1)

 

قال المؤرخ:

«في يوم الأربعاء رابع عشرين الحجة، آخر سنة سبع وأربعين ومائة وألف، أشيع في الناس بمصر أن القيامة قائمة يوم الجمعة سادس وعشرين الحجة..

وفشا هذا الكلام بين الناس قاطبة، حتي في القرى والأرياف، ودع الناس بعضهم بعضًا، ويقول الإنسان لرفيقه: بقي من عمرنا يومان، وخرج الكثير من الناس والمخاليع إلي الغيطان والمنتزهات، ويقول بعضهم لبعض: دعونا نعمل حظًا ونودع الدنيا قبل أن تقوم القيامة..

وطلع أهل الجيزة نساءً ورجالاً، وصاروا يغتسلون في البحر، ومن الناس من علاه الحزن وداخله الوهم، ومنهم من صار يتوب من ذنوبه ويدعو ويبتهل ويصلي، واعتقدوا ذلك ووقع صدقه في نفوسهم، ومن قال لهم خلاف ذلك أو قال هذا كذب لا يلتفتون لقوله، ويقولون هذا صحيح، وقاله فلان اليهودي وفلان القبطي وهما يعرفان في الجفور والزيرجات ولا يكذبان في شيء يقولانه و…»

وإلي الآن لا يستطيع أي مؤرخ منصف أن يؤكد لنا أو ينفي: هل قامت القيامة في ذلك اليوم الموعود أم لا؟

 

(2)

 

صديقي مثقف جدًا، لا يقرأ إلا في أمهات الكتب، ذلك أنه لا يعترف بالآباء، ويعشق التاريخ، وكلما سألته: أي تاريخ؟ بحلق فيّ بحدة، وهز رأسه العبقرية في يأس من جهل البشر…

عرفت منه أن إخناتون كان شاعرًا عظيماً ولكنه كان حاكمًا فاشلاً، فقلت له: إن الشعراء قد يخلقون لنا عالمًا جميلاً، ولكنهم لن يستطيعوا أن يحكموه!

لم ينبسط لتعليقي، هرش رأسه وهو يغمض عينيه مفكرًا، ثم همس لي كسر عسكري: هل تعرف أنه كان شاذًا؟!

من؟!

إخناتون يا أخي! فقد كانت نفرتيتي زوجته الرسمية، بينما كان صاحبه الدائم شخص يدعي “سمينكا رهي”…

أنت تلوث سمعته!

كل الناس تعرف ذلك، لكنك لا تريد أن تعرف سوى ما يرضيك!

لقد كان أول من نادى بالتوحيد…

يا ساذج! عبادة قرص الشمس قد توقفت بعد موته…

تقول إنه شاذ! لا يمكن…

ومع ذلك حكم مصر 17 عامًا…

أعرف ذلك، ويقال إنه انتحر أو تسمم نتيجة لدس السم له في كأس…

أنت لا تعرف شيئًا.. لقد مات بالإيدز…

 

(3)

 

طوبي لمن يحيا أو يموت في «طيبة»، مدينة آمون ذات المائة باب، كانت قبل أي موضع آخر، فهي الأرض الأولي، وأول قطرة ماء في بدء الزمن…

هكذا كان يرتل الكاهن عندما مرت إلى جواره سيارة مرسيدس حمراء من نوع “الشبح”، فأهالت عليه الأتربة… نظر الكاهن مليًا إلى مؤخرة السيارة التي تثقب الأفق، ثم رفع رأسه لأعلى قائلاً بغضب:

كده يا “رع”!

ثم بدأ في خلع ملابسه المقدسة حتى أصبح كما ولدته أمه وهو يتمتم في غضب:

أنا بتاعك يا “ست”

ويقول ثقاة المؤرخين إنه في ذلك اليوم بالتحديد تمكن الهكسوس من احتلال مصر..

 

(4)

 

تساندنا ظهرًا إلى ظهر، كنا بناءً واحدًا، وكلانا ينظر في اتجاه مختلف، لكننا نعرف أننا إذا افترقنا سقطنا، كان ينقل لي ما يراه، وأفعل نفس الشيء، ولم يتوافق أبدًا ما نراه.. الظهر إلى الظهر، نعرف أن افتراقنا يسقطنا..

أحياناً كان يضحك بينما أبكي، أستهين بينما يعاني، أستقبل بينما يسترجع، لا بأس مادامت بقعة سكون تحمل ظلين ثابتين..

بدأت المشكلة منذ أن تعلمنا – في وقت واحد – عندما زادت أسعار البترول – بعض أطراف من علم الميكانيكا، بدأنا في النهوض، ظهرًا إلى ظهر، وحين اتخذنا قرار الحركة، أصر كلانا أن يجذب الآخر إلى اتجاهه، حينذاك تراخى ما عرفناه، انفصم الظهر عن الظهر، اندفعنا بفرحة اكتشاف أسرار الحركة يضرب كل واحد في اتجاه واحيانًا في الآخر…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى