محمد مصطفى موسى يكتب: وقالت الصناديق لـ”ترامب”: نعم


يُروى أن أمريكيًا، أراد إغاظة مصري، فقال له، وهو يحاججه: “إنني أتمتع في بلادي، بأعلى درجات الديمقراطية، حتى إنني أستطيع أن أهاجم الرئيس الأمريكي، مطمئنًا إلى أن سوءًا لن يلحق بي، وضررًا لن يمسني… ثم سكت برهة، وقد ارتسمت على محياه، ابتسامة سخرية، باردة مطمئنة، وهو يحسب أن خصمه قد أسقط بين يديه.
لكن المصري، بما هو مفطور عليه، من سرعة قريحة، وخفة ظل، و”فهلوة” لم يشأ لـ”الخواجة” أن ينعم بنشوة النصر، فإذا به يستخرج من حلقه وأنفه، صوتًا سكندريًا عميقًا خشنًا، ومن ثم قال: “وأنا كذلك، أستطيع أن أهاجم الرئيس الأمريكي، بل أن أسبَّ أباه وأمه، فلا يعاتبني معاتب، ولا يغضب مني غاضب”.
كانت تلك نكتة، شاعت على نطاق واسع، في بداية الألفية في مصر، فيما كانت دولة المخلوع مبارك، قد بدأت تتآكل من داخلها، ويقال إن أصلها يرجع إلى ملك ملوك أفريقيا، العقيد معمر القذافي، الذي جاوب على صحفي غربي، بذات الرد الذي ألقى به المصري، في وجه الأمريكي.
وعلى الرغم من أن النكتة، لا تشرح، ما آل إليه حال الأمريكي، بعد الرد المفحم؟ وهل أصيب بلوثة عقلية حدت إلى إيداعه مستشفى الأمراض العقلية؟ أم أنه قطّع جواز سفره أو شرايينه، بؤسًا وحزنًا، إلا أن الشعوب العربية سرعان ما نقلت عن المصريين، كالعادة، فإذا بالمصري يغدو عراقيًا، في عهد الديكتاتور صدام حسين، وإذا به يصير سوريًا، في عهد حافظ الأسد، ما يعني بالضروة، أننا في عهد مبارك, لم نكن أحسن من سوريا والعراق، فجميعنا في الهم شرق.
ومن نافلة القول، أن هذا النقل، أو باصطلاح الشعراء: “النحت”، إنما هو دليل، على متانة وأصالة النكتة المصرية، باعتبارها من مفردات الثقافة العفية الطاغية، في وادي النيل، كما يعد تأكيدًا دامغًا، على اشتراكنا في آفة الديكتاتورية، من الخليج إلى المحيط، وهو الأمر الذي لا يرجع إلى أننا غير مؤهلين، لممارسة الديمقراطية، كما ينهق مزورو التاريخ، ومثلما ينعق المخبرون والبصاصون، من نخبة الصحافة والثقافة والسياسة، بل إلى أن الحاكم العربي، كما يقول، محمود السعدني، في مقدمة كتابه: “مصر من تاني”: “يريد من الجميع، أن يبالغوا في مديحه، وحصر مآثره، وتسليط الضوء على حنكته وعبقريته، ولا يسمح لأحد بانتقاده، وهو حي يرزق”.
واللافت أن المبالغة في تقديس الحاكم، تتوازى في الخطاب الرسمي، أو فلنقل شبه الرسمي، مع تحقير الرعية، فالناس محض سوقة غوغاء، يعشش الجهل في عقولهم، والفساد في ضمائرهم، وتلك نبرة ترتفع وتيرتها، متى احتدمت الأزمات، فالحاكم يؤدي دوره على الوجه الأكمل، ولا يوفر جهدًا لصيانة مصالح الناس، حتى إنه لا ينام الليل، وقد يحرم نفسه من “طشة الملوخية”، كما ذهب رئيس تحرير صحيفة قومية، أراد امتداح مبارك، فإذا بما كتبه، وهو يحسب أنه يحسن صنعًا، يصير لفرط سخافته وتهافته، علامة بارزة في سجلات المسخرة، وعارًا يلاحق المادح والممدوح، أبد الدهر.
وبالعودة إلى نكتة الاستهلال، فقد جرت في نهر السياسة الأمريكية، مياه غزيرة، وربما عكرة، حيث قالت الصناديق لـ”ترامب”: نعم، والرجل نموذج مثالي، للمقاول والسمسار، نهّاز فرص، لا يقيم وزنًا إلا لتدفق الأموال، ولا يطرب إلا لرنين الدرهم والدينار، وطبيعي أن رجلًا بهذه الشخصية، يكره النقد كراهية البقالين الغشاشين، لمفتشي التموين، ويضجر ممن يقولون في وجه: “يا غولة، عيناكِ حمراوان”، إلى حد أننا قد نظن، لولا حمرة بشرته، وشقرة شعره، أن له أصولًا تمتد إلى قبيلة حمير العربية!
على أن تبرم ترامب بحرية التعبير، وإساءاته المتكررة إلى ناقديه، لم ترحمه أبدًا من عواصفهم، ولم تعصمه من سياط ألسنتهم، والحق أن الرجل يتبرع لهم دائمًا، بالمادة الخام التي تمنحهم فرصة السخرية منه، والحط من قدره، ذلك أنه كثير التدحرج في الحماقات، بحكم ما قلنا عنه، من خبراته الحياتية، كرجل أعمال، يريد حصد الأرباح، ولا يعرف “ألف باء” الفرق بين العمل التجاري والسياسي.
آخر حماقات ترامب، كان منذ أيام، حيث استهل مؤتمرًا صحافيًا بمقر البيت الأبيض، بعرض مادة فيلمية، تستعرض ما سماه إنجازاته في مواجهة جائحة “كورونا”، الأمر الذي استنهض غضب مراسلي وسائل الإعلام، الذين جهروا في وجه الرئيس، بأن هذا تصرف لا يليق، في هذا الظرف الحرج، ومع تشييع ما يزيد عن أربعين ألفًا، ضحايا الفيروس.
وسرعان، ما اتسعت مساحات الغضب، لتقفز أسوار البيت الأبيض، إلى مقالات الرأي، التي لم تترك نقيصة، إلا ألصقتها بالرئيس، ثم إلى مواقع التواصل الاجتماعي، التي ازدحمت بعبارات التهكم عليه، أكثر من ازدحام القاهرة بالناس، قبيل ساعات الحظر، وقد جذبت “الحفلة” مشاهير يكرهون الرئيس، منهم المخرج المشاكس: “مايكل مور”، الذي نشر على “تويتر”، فيلمًا مدته ستين ثانية، فيه دمية للرئيس، يتحلق حولها الناس، ويركلونها ويلكمونها، حتى تسقط أرضًا، كأنهم يتعمدون “تجريس رأس الدولة”، كما كان الفلاحون يُجرسون لصًا، أو مقترف عيب، بالطواف به على حمار بـ”المقلوب”.
ووسط هذه الضجة، وتلك المعركة الحامية، أخذ الرئيس يعوي مهاجمًا الخونة، الصعاليك الذين يريدون النيل من الإنجازات، الأشرار المتآمرين، لكن عواءه، لم يلق أذانًا صاغية، فتلك شروط اللعبة، وتلك قواعد حرية التعبير الأمريكية، حتى إذا جاءت الصناديق برجل يمقتها، في استثناء يؤكد القاعدة، لا ينفيها، فمن حق من يشاء أن يهاجمه، حتى إن الفقير إلى الله، كاتب هذه السطور، يتمتع بهذا الحق، وهو في القاهرة، من دون أن يناله أذى، أو على الأقل يظن ذلك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى