مذابح التاريخ ! بقلم : معصوم مرزوق

فجأة امتلأت الصحف وقنوات التلفزيون بصور مرعبة وذكريات أليمة عن مذابح العثمانيين للأرمن ، وانتشرت سرادقات العزاء الأنيقة في منتديات بعض المسكفين تبكي بالدمع الهتون وتمزق شعرها من الحزن التاريخي ، بل وطالب البعض بشطب كل التاريخ العثماني ، بخيره وشره .

تحول البعض بشكل فريد إلي حالة إنسانية مثالية متجردة ، تنقب في صفحات التاريخ لإنتزاع بعض الجرائم حتي ولو كان ذلك خارج سياقها التاريخي السياسي والثقافي والإنساني .

أخشي أن نبش التاريخ قد يستخرج للجميع في
المنطقة مخاز وفضائح طويت في سجل الزمن ..وأخشي من ناحية أخري أن ينسحب ذلك علي تاريخ المسلمين كله ، فلا يمكن إنكار ان الخلافة الإسلامية استقرت لعدة قرون فوق هضبة الأناضول ، وحافظت ولو لبعض الوقت علي جوهر ورونق الحضارة الإسلامية ، وحققت انتصارات عظيمة .

ما أعنيه من مخاطر النبش في التاريخ هو أن لكل أمة نصيبها من العار التاريخي ، وأحيانا يتوقف الأمر
علي الزاوية التي ينظر منها كل طرف إلي الآخر .

ربما يتطلب الأمر قراءة إبن إياس والجبرتي ، حتي يمكن أن نكتشف أنه لو اعتبرنا تلك الخلافة عارا ، فلا بد أنه كان عارا لمن خضع واستسلم لذلك الاستبداد..

الإمعان في الغوص في كتب التاريخ يكشف أنه لم تخل فترة من تاريخنا من استخدام سلطة الحكم للدين .. ولكن يبدو أن النقاش دائما يبتعد عن تلك البديهيات .. مثلما تستنفذ الطاقة في الحديث عن استدعاء مظالم الماضي ، دون أن يشير أحد إلي مظالم الحاضر مثل الوحشية الصهيونية .

ولن نذهب بعيدا ألم يكن من أطلق عليه لقب ” جلاد دنشواي ” مصريا يتقلد دور الإدعاء في محاكمة الفلاحين المصريين الغلابة ، اسمه ابراهيم الهلباوي.

ألم يكن أحد القضاة الذين أصدروا الأحكام الظالمة علي أجدادنا في دنشواي هو فتحي زغلول .. نعم .. فتحي زغلول شقيق زعيم الأمة سعد زغلول .

ثم تري من كان رئيس هذه المحكمة ؟ .. أنه مصري ثالث اسمه بطرس غالي .

ربما يقول قائل أن هؤلاء ربما كسبوا شيئا من دنيا فانية ، ولكنهم خسروا سمعتهم واخراهم ، وأن اسماءهم ستظل محفورة في قائمة العار إلي الأبد، مثل كل مصري باع وخان وفرط ..وأن التاريخ لا يرحم..

وربما صح أيضا أن تتعاطف مع من تشاء ، وتتسامح مع من تشاء ، وربما تجد ذريعة عند قراءتك لمرافعة الهلباوي البليغة ، والاوصاف التي رمي بها الفلاحين الغلابة في دنشواي ، ودموع التماسيح التي زرفها علي جنود الاحتلال ..

الا ان هناك من يتذكر توبة الهلباوي فيما بعد واعتناقه لقضايا المظلومين ويجد في هذه التوبة مبررا للغفران ، ولكن يتغافل هذا البعض عن أن تلك التوبة لو صحت ، فأنه لا يمكنها تصحيح خطايا التاريخ بأثر رجعي .

ولا شك في أن الهلباوي كان نسيج وحده ، وكانت له مواقف تحسب له ، إلا أن التاريخ سيذكره دائما بمثل ما وصفه عبد العزيز جاويش :” جلاد دنشواي ” .. والتاريخ صارم في أحكامه .

لذلك كان حديثي عن ضرورة الحرص عند النبش في التاريخ ، وهو ما انصح نفسي ومن يهتم أن يعيد قراءته.. وبالتأكيد لا ادافع عن جرائم أي طائفة ارتكبت جرائم في التاريخ ..انما كل ما أرجوه هو أهمية الحذر فربما ترتد طلقتك عليك ..

أما عن المذابح ، فتاريخ البشرية مليئ بقصص شبيهة !..والاجدر بنا أن ندين المجاذر التي ترتكب حولنا الآن ، بدلا من التقية والإختباء في كتب التاريخ .

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. المثقفين وليس المسكفين
    المجازر وليست المجاذر
    وأحب أن أضيف أن تاريخ اوروبا و الغرب عامة ملئ باكثر من ذلك بكثير وليس في حق طائفة بعينها و لكن بحق البشرية قاطبة
    لذا فأنا أؤيد الكاتب فيما نشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى