عبد العظيم حماد يكتب: معنى الوطن و قيمة الأمة

تعلمون أن الوعي بالوطنية المصرية بدأ على مستوي النخبة قبيل الثورة العرابية وكان أهم روافدها، وأنه تبلور فكريًا قبيل ثورة ١٩١٩ وكان أهم روافدها، وأن أهم نتائج هذه الثورة هي اتساع الوعي بالوطنية المصرية ليشمل كل مواطن على الأرض المصرية، وليس النخبة فقط، ضمن كثير من مفاهيم الحداثة السياسية ومن بينها أن الأمة هي مصدر السلطات.

وتعلمون أيضًا أن خلافات كثيرة نشبت في صفوف النخبة حول معظم القضايا والأفكار، مثلما يحدث في كل بلاد الدنيا، لأن هذه طبيعة البشر، لكن كان دائمًا هناك كبار يضبطون إيقاع ومسار الخلافات بحيث لا تتدنى إلى إهانة الكرامات الشخصية ولا تنحط إلى مستوى إهانة معنى الوطنية وقيمة الأمة، كما كان هناك دائما صغار لا يتورعون عن ذلك الانحطاط والهوان، وكما عودنا التاريخ فإنه لا يحفل بالصغار ولكنه يحتفي بالكبار الذين سأتحدث عن بعضهم وعن تعإلىهم عن الصغائر، واختيارهم التصرف بسمو إنساني ووطني في المواقف المناسبة، بل والحرجة أحيانًا.

معروف مثلاً أن لطفي السيد كان رافضًا لفكر ومنهج مصطفى كامل الذي كان يؤمن بالرابطة العثمانية، ويراها مفيدة لمصر في الكفاح من أجل إجلاء الاحتلال البريطاني، في حين كان لطفي السيد هو المتحدث باسم تيار “مصر للمصريين” والمنظر له، ومعروف أنه كان يقول عن مصطفى كامل إنه “ليس بشيء”، ولم تكن علاقتهما الشخصية ودية، لذلك فعندما توفي مصطفى كامل في تلك السن الصغيرة، وبعد مرض لم يطل، اعتقد تلاميذ لطفي السيد ومعاونوه أنه لن يكترث أو لن يتأثر، ولكنهم فوجئوا بحزنه الشديد وبارتدائه رابطة عنق سوداء، وعندما راجعوه رد: “كيف لا أكون فردًا من الأمة التي حزنت على مصطفى كامل، وكيف لا نحزن على زعيم شاب ضحى بحياته في سبيل الوطن، وإن اختلفنا معه في السبل والغايات القريبة؟!

كثير من المؤرخين فيما بعد والسياسين في أثناء ثورة ١٩١٩ انتقدوا سعد زغلول بشدة، لأنه لم يذهب إلى قصر عابدين ويسجل اسمه في دفتر التشريفات بعد عودته من المنفى، وكان رفض سعد لهذا الاقتراح أحد أسباب كراهية السلطان فؤاد ثم الملك فؤاد فيما بعد لسعد ولحزب “الوفد”، ولكن كيف كان لزعيم الأمة ان يفعل ذلك وهو مدين بمركزه وبإطلاقه من المنفي للأمة وحدها، في حين أن القصر لم تصدر عنه كلمة واحدة تؤيد الثورة وتحتج على نفي الزعماء، وكما اتضح فإن فؤاد اقترح على الإنجليز من خلال لجنة “ملنر” الاتفاق معه هو وتعزيز مركزه لإبطال أحقية سعد بزعامة الأمة، ثم أن الشق الثاني في معادلة ثورة ١٩١٩ كان هو إقرار مبدأ السيادة للامة، فكيف يعيدها زعيمها للقصر بتصرف بروتوكولي ليس له مبرر حتى في البروتوكول نفسه؟ مثله مثل السياسيين الذين لا يمثلون سوى أنفسهم او جماعات نخبوية ضيقة، ولن يكون له معنى إلا تكريس مفهوم ولي النعم المشكور في الضراء قبل السراء، هذا إذن رجل كبير النفس والهمة ويدرك قيمة ما تمثله زعامته.

بعد عدة سنوات وعندما أدى اغتيال السردار إلى فيتو بريطاني نهائي على رئاسة سعد للحكومة، مما لقي ارتياحًا من الملك، وبعد سقوط أكثر من حكومة أقلية، رؤي أن مصلحة الوطن تقضي بائتلاف سعد والوفد مع الأحرار الدستوريين، خصومه الألداء، وعندما غضب بعض أنصاره من هذا التنازل وتحدثوا عن إساءات وبذاءات هؤلاء الخصوم في حقه وحق الوفد والأمة، رد بمقولته الخالدة: “إن الوطن غفور رحيم “.

في غمار ثورة ١٩١٩، أعلن واصف غالي من لندن انضمامه للثورة والوفد، وقبل أن يغادر عائدًا إلى مصر للمشاركة الفعلية، ولأن البريطانيين يعلمون أن انضمامه لثورة المصريين ضدهم، وهو ابن بطرس غالي باشا، أكبر زعماء الأقباط السياسيين والذي كاد اغتياله على يد مسلم متعصب يقضي على فكرة مصر لكل المصريين، سوف يحسم موقف المترددين من الأقباط فينضمون فورًا للثورة، فقد أرسل إليه وزير المستعمرات البريطاني مبعوثًا يذكره باغتيال أبيه، وينصحه بالرجوع عن قراره وبالبقاء في لندن، فرد عليه واصف غالي هذا الرد المزلزل: “لئن أنضم إلى من قتلوا أبي خير من أن أنضم إلى من يقتلون وطني “.

فعلاً.. على قدر أهل العزم تأتي العزائم.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button