مي عزام تكتب: لا قيمة للمُلك إن لم أكن آمنا في مُلكي

في كتاب «شكسبير معاصرنا» للناقد البولندي يان كوت يقدم الكاتب أعمال شكسبير بوصفها إبداعاً فكرياً إلى جانب الشق الفني، فشكسبير الذي عاش في القرن السادس والسابع عشر وقدم أعماله لجمهور ذلك الزمن، مازال قادرا على الحديث إلينا وعنا.

كل المشكلات التي ينقلها إلى خشبة المسرح وكل الأسئلة التي يطرحها، تتوجه إلى الإنسان في كل زمان ومكان، فهو يتحدث عن جذور الصراع الإنساني وليس ظواهره، وحين يتحدث في مسرحياته عن السلطة والصراع حولها مثلما حدث في مسرحيات مثل: هاملت، والملك لير، وماكبث، ويوليوس قيصر، وغيرها.

يلاحظ “يان كوت” أن كل واحدة من هذه المآسي التاريخية الكبرى التي كتبها شكسبير تبدأ بصراع على العرش أو محاولة لتوطيده، وكل واحدة منها تنتهي بموت الملك وتتويج ملك جديد. الحاكم يتسلم السلطة ولقد قام بسلسلة طويلة من الجرائم: فهو قد أبعد الذين أعانوه في الفوز بالتاج، يقتل أولاً أعداءه ثم حلفاءه السابقين، ويعدم كل من يمكن أن يكون خليفة له أو مطالباً بالعرش. لكنه، دائماً، لا يستطيع التخلص منهم جميعاً، يبقى دائما واحد، ابن أو حفيد أو أخ لأحد القتلى، يعود ليدافع عن القانون المغتصب فيلتف حوله السادة الذين رفضهم الملك، لأنه يجسد الأمل في نظام جديد يحقق العدالة. غير أن كل خطوة نحو السلطة تختلط بالقتل، والعنف والخيانة.

وهكذا، عندما يجد المنقذ الجديد نفسه قريباً من العرش، يقدم هو الآخر على سلسلة من الجرائم لا تقل وحشية وبغضاً عن الحاكم السابق، وعندما يعتلى كرسي العرش يصبح مكروهاً كسلفه… وهكذا يبدأ بقتل أعدائه، ثم حلفائه السابقين، فيظهر مطالب جديد بالعرش، يتحرك باسم العدالة المغتصبة، وتدور العجلة دورة كاملة، ويبدأ فصل جديد، وتبدأ مأساة تاريخية جديدة… لتبقى دوائر السلطة مختلطة بدوائر الشر.

يرى شكسبير كما يحلل “يان كوت”، أنه ليس هناك ملوك أخيار وملوك أشرار، إنما هناك ملوك على درجات مختلفة من التشبث بالسلطة. لكن النتيجة الدائمة والمؤكدة هي إراقة الدماء.

الطريق إلى السلطة يختلط دائما بالنوازع الإنسانية  المنحطة كما صورها شكسبير، من جشع وحسد ورغبة في التملك والسيطرة حتى ينقلب الابن على أبيه كما هو الحال في الملك لير، وقد يبدأ الأمر بطموح مشروع يغزو قلب بطل نبيل شجاع، لكن هذا الطموح يتحول لحسد ورغبة في امتلاك ما ليس له، كما هو حال ماكبث البطل النبيل الشجاع المقدر من الملك وأعوانه وجنوده.

ماكبث، من أكثر المسرحيات التي يتجسد فيها الشر الكامن في أعماق النفس الإنسانية، وهى من أقصر مسرحيات شكسبير وأكثرها تكثيفا وعمقا، مسرحية مليئة بالشر والكراهية والانتقام والحسد، مشحونة بالخوف والإحساس بالذنب وتأنيب الضمير ولحظات المكاشفة.وهى تعد من أكثر المسرحيات حداثة ومعاصرة، والأكثر ارتباطاً بصراع الإنسان مع الخير والشر، ورغم أنها تبدأ بنبؤة الساحرات الثلاث كما هو الحال في الأساطير الإغريقية، إلا أن الإرادة الإنسانية هي التي تحرك الأمور، الشر فيها مسؤولية بشرية وليس قدرا لا رد له.

المسرحية تدور حول القائدين العسكريين ماكبث وبانكو، وهما عائدان من المعركة منتصرين إلى وطنهما في اسكتلندا، حيث يلتقيان في طريقهما بالساحرات الثلاث، اللواتي يتنبأن لهما بالمجد والسلطة وتقول النبوءة أن ماكبث سيعتلي عرش اسكتلندا، وأن ورثة “بانكو”هم الذين سيتولون هذا العرش من بعده.

“دنكان” الملك الحالي، رجل طيب القلب سليم النية، يحتفي بود بانتصار ماكبث وشجاعته، ويجزل له العطاء ويزوره في قلعته ليظهر له امتنانه لما قدمه في الحرب وهزيمته لعدوه ملك النرويج، ويعلن في هذا الاحتفال عن تنصيب ابنه “مالكوم” ولياً للعهد، مما يقضي على أمل “ماكبث” الذي يندفع بتحريض من زوجته، وبعد تردد طويل إلى قتل الملك ويتبع الجريمة الأولى سلسلة من الجرائم، لكن هذه المرة ليست بدافع الطموح والرغبة في السلطة ولكن بدافع الخوف ووطأة الإحساس العميق بالذنب، فهو يدرك جرمه ولكنه ينزلق إلى الجحيم حتى يصبح الموت يمثل له الخلاص.

يعيش ماكبث جحيمه الخاص ويعبر عن صراعه الداخلي بهذه الكلمات:”إحساسي بالذنب يجعلني أفضل أن أفقد الإحساس بنفسي..
يخيل إلى أنى سمعت صوتا يصيح: لن تعرف النوم بعد اليوم! النوم البريء الذي يرتق ما تفتقه الهموم، ذلك الموت اليومي الذي يختم حياة كل نهار، فيغسل عنا الكلالة ويضمد جراح الأذهان، ويمدنا بالقوة على العيش
ما هذا الذي أصابني حتى بات كل صوت يخيفني؟”.

قبل مقتله على يد “مكدف” يقول لنفسه: لقد عشت بما فيه الكفاية حتى جفت واصفرت أوراق عمري وأوشكت على السقوط، فإن ما ينبغي أن يصاحب شيخوخة المرء من الشرف والمحبة والطاعة وزمرة الأصدقاء، فلا أمل لي فيها، وما البديل لها عندي غير اللعنات المكتومة، وتكريم اللسان الزائف، وكلمات لا تخرج من القلب، ويكاد القلب، لولا خوفه، أن ينكرها.

ماكبث نموذج القائد الشجاع الذي تؤدى به طموحاته إلى الخيانة والجريمة، وهو يدرك بشاعة ما فعل، ولا يشك لحظة في الحدود الفارقة بين الخير و الشر، لكنه لا يستطيع التوقف، عجلة الشر حين تبدأ لاتتوقف. الطموح الجشع كان الباعث على ارتكاب جريمته الأولى قتل الملك دنكان، فإن سائر جرائمه اعتبارا من قتل حارسي الملك وحتى قتل صديقه “بانكو” وعائلة “مكدف” كان الباعث عليهم الخوف.

حينما كان ماكبث جندياً في المعركة كان يشعر بالأمان وحين أصبح ملكاً قاسمه الخوف فراشه وجفاه النوم، ولقد عبر عن ذلك قائلاً: “لا قيمة للملك إن لم أكن آمنا في ملكي”. حكمة أدركها ماكبث متأخراً مثله مثل الكثير من الملوك والحكام.

Related Articles

2 Comments

  1. الكاتبه مى عزام
    هل عرفتى احد من الملوك كان امن فى سريره على مر التاريخ
    حتى سيدنا عمر اغتيل ، بما معناه انه فى الحقيقه لم يكن امن فى سريره انما فقط تاخر القاتل و المشجع
    طبعا اظنى اعرف الى من ترمى
    عموما لا امل ان تغيرى نظرتك لانها فيما اظن مبنيه على فكره خياليه اسمها العداله و الديمقراطيه
    كلما تمعنتى فى التاريخ و الحاضر لتأكدتى انها للاسف اضغاص احلام

  2. لقد عبر شكسبير عن الجانب المسيطر علي معظم الطامحين للحصول علي السلطة في عصره ، وقد سجلها تاريخ مصر في عهد الفراعنة كما سجلها بكثرة ووضوح في عهد المماليك ولم يخلوا منها من قبل عهد أمراء المؤمنين … ومع ذلك كان هناك احوال اثبتت انها ليست قاعدة وان كانت قاعدة فانها لم تعدم الشاذ

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button