مسارات الأزمة الليبية بعد اعلان القاهرة

لم يكن من المقبول ولا من المعقول ان تترك القاهرة المشهد الليبي دون ان تكون لها كلمة عليا فيه خاصة ان ليبيا لا تمثل عمقا اقليميا واستراتيجيا فقط لمصر بل هي من صميم الأمن القومي المصري .
وسارعت القاهرة الي استقدام خليفة حفتر قائد الجيش الوطني الليبي وعقيلة صالح رئيس مجلس النواب حيث عقدا مباحثات مطولة مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من اجل إيجاد حل سياسي للازمة الليبية المشتعلة منذ ٩ سنوات في ظل الهزائم التي تعرض لها حفتر مؤخرا والتي دفعته للبحث عن حل سياسي للازمة كبديل للحل العسكري الذي فشل في تنفيذه لسنوات .

وتم الاعلان عن مبادرة مصرية لحل الأزمة الليبية وتدعو المبادرة الي نزع سلاح الميلشيات وطرد المقاتلين الأجانب من ليبيا وتوزيع عادل للثروة والسلطة يضمن ثمثيلً كل الأقاليم

ورفضت حكومة الوفاق المبادرة المصرية منتشية بما الحقته من هزائم بقوات حفتر خلال الايام والأسابيع الماضية وقال المتحدث الرسمي لها ” نحن الطرف الذي يحدد زمان ومكان انتهاء الحرب ”

انتقال المعركة الإقليمية من سوريا الي ليبيا

قبل عدة أعوام ومع بداية التدخلات الخارجية في الثورة السورية بعد عسكرتها ،كانت الأطراف الإقليمية المتداخلة في المشهد تتحدث عّن ضرورة وحتمية رحيل بشار الأسد كشرط رئيسي لتحقيق اَي تسوية سياسية في سوريا من اجل تحقيق انتقال أمن للسلطة .
وبالتدخل العسكري الروسي الروسي المباشر في الأزمة ،تغيرت موازين القوي لصالح بشار ،وأصبح الحديث عن رحيله أسطورة إغريقية ،وتحولت لغة الرحيل للحديث عن رحيل او القضاء علي اخر معاقل المقاتلين الأجانب الموجودين في سوريا والمتحصنين في أدلب .

اليوم انتقلت كل الأطراف الإقليمية بتناقضاتها ومصالحها المتضاربة الي المسرح الليبي ولكن بولاءات مختلفة وأيدلوجيات مختلفة لتصبح ليبيا أكبر ملعب مفتوح في العالم في الوقت الراهن لتدخلات كافة القوي الإقليمية والدولية

ففي بداية الأزمة السورية كانت قطر والسعودية وتركيا والأمارات وامريكا علي قلب رجل واحد في مطلب رحيل الأسد ،واشتركوا جميعا في تسليح وتمويل الجيش السوري الحر ،ونقلت تلك الدول الآلاف من الجهاديين والأصوليين الي الاراضي السورية .

أما المشهد في ليبيا فهو مختلف ،فشركاء الامس في سوريا أصبحوا أعداء اليوم في ليبيا .
والصراع الدائر آلان في دولة ما بعد القذافي ليس صراعا بين حفتر والجيش الليبي الوطني وبين حكومة فايز السراج بقدر ما هو صراع بين عدة أحلاف تري في ليبيا وليمة نفط وغاز لا يجوز تركها باي حال من الأحوال لطرف بمفرده .
اول هذه الأحلاف الحلف المصري الإماراتي السعودي الداعم لحفتر سياسيا وماليا وعسكريا ولوجستيا في مواجهة الحلف القطري التركي الداعم لحكومة السراج بنفس الآليات “ماليا وعسكريا ولوجستيا وسياسيا ”
يضاف الي هذين الحلفين ،التحالف غير الرسمي بين حفتر وروسيا ،والموقف الايطالي الفرنسي المؤيد لحفتر ،بينما تلعب امريكا مع جميع الأطراف في انتظار نصيبها في الوليمة .

حينما رفض حفتر التفاوض
في بداية المواجهات العسكرية بين الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر وبين القوات الموالية لحكومة السراج ،كان الدعم العسكري واللوجييستي والمالي والتسليح المقدم لحفتر من جانب مصر والامارات والسعودية بالاضافة الي وجود قوات روسية خاصة تابعة لإحدي شركات الأمن الروسية عوامل معززة لحفتر جعلته يرفض اَي مفاوضات لحل الأزمة وأصر علي إكمال هجومه علي العاصمة الليبية طرابلس من اجل تحريرها مما يسميه من الميلشيات المسلحة والارهابيين علي حد قوله .
ومع ان حفتر أعلن في بداية هجومه علي طرابلس قبل ١٦ شهر أن المعركة لن تستغرق سوي بضعة ايّام فقط او أسبوعين علي اقصي تقدير الا انه فشل تحقيق الهدف الرئيسي منها وهو ما خلق حالة من الملل والتوجس والاستياء بين الأطراف الداعمة له الا انه كان يري ان النصر في معركة طرابلس امر حتمي.

ومع الدعم المالي القطري غير المحدود والعسكري التركي غير المسبوق لحكومة السراج استطاعت القوات التابعة لحكومة الوفاق ان تنتقل من حالة الدفاع الي حالة الهجوم وكان الاستيلاء علي قاعدة الوطية من قبل قوات الوفاق بما فيها من أسلحة ومعدات روسية نقطة تحول للحرب في ليبيا ،حيث بدأت قوات حفتر في التراجع شيئا فشيئا ،وتناثرت همهمات بين حلفاء حفتر الاقليمين والدوليين في ضرورة البحث عن بديل للرجل ،خاصة بعد استيلاء قوات الوفاق علي مطار طرابلس .

لماذا تدخلت القاهرة
بعد الهزائم التي تلقاها حفتر خلال الأسابيع الماضية بدأ الحديث يعود مرة اخري عن ضرورة إيجاد حل سياسي للازمة ويبدو ان حفتر في ظل في حالة التململ والاستياء التي قرأها في العواصم الداعمة له لم يجد غير القاهرة لتقود مبادرة الحل السياسي للازمة .
وإذا كانت الساحة الليبية بالنسبة لكافة الأطراف هي ساحة مصالح اقتصادية ونفطية فهي بالنسبة لقاهرة أمن قومي وعمق إقليمي لا يمكن تركها بسهولة لأطراف مناوئة لمصر ومنافسة لها في دورها الإقليمي
فحالة العداء والتربص والمكايدة بين مصر من ناحية وتركيا وقطر من ناحية اخري يجعل من الصعب علي مصر بل من المستحيل ان تقبل بأن تصبح الدوحة وأنقرة هم اصحاب الكلمة في الملف الليبي ومن ثم جاء اعلان القاهرة ليس لمساندة حفتر في إيجاد حل سياسي بل من اجل ان تدافع مصر عن دورها ومصالحها الاستراتيجية في ليبيا ،ولا يتوقف الامر فقط علي مسالة الحدود الغربية ولكن اتفاقية التنقيب عن الغار قبالة السواحل الليبية التي وقعها اردوغان مع حكومة السراج امر يشغل القاهرة ويزعجها للغاية

هل اعلان القاهرة قابل للتنفيذ
قبل الهزائم التي تعرضت لها قوات حفتر خلال الفترة الماضية كانت حكومة الوفاق تبحث عن حل سياسي للازمة ،اليوم تقول الوفاق بصوت عالي انها هي التي تحدد مكان وزمان انتهاء الحرب
بالطبع هذا ليس صوت الوفاق بمفردها ولكنه صوت شركاءها الاقليمين وتحديدا تركيا وقطر

الدكتور محمود الشربيني الباحث في العلوم السياسية وعضو التيار القومي العربي يري ان الأزمة الليبية لن تحل الا بالتفاوض وبحل سياسي وان اَي طرف مهما كان وضعه علي الارض الان لا يستطيع ان ينهي المعركة مع الطرف الاخر
ويضيف الشربيني انه اذا كان حفتر الان في وضع صعب بسبب الهزائم التي تعرض لها مؤخرا الا ان هذا لا يعني ان حفتر ضعيف عسكريا أو انتهي عسكريا ،اطلاقا هكذا اجاب
وتابع “لن يستطيع اَي طرف ان يفرض حلا عسكريا شاملا للازمة الليبية وبالتالي فالحل السياسي هو الحل الوحيد للازمة”

الا انً الشربيني يري ان قيام القاهرة بدور لإيجاد حل سياسي لن يكّون مقبولا لدي احد طرفي الأزمة وهو حكومة الوفاق لان مصر أعلنت منذ اليوم الاول عن انحيازها التام لطرف وهو حفتر وجيشه الوطني علي حساب طرف أخر وهو السراج وحكومته ،ويكمل ” في حين ان الجزائر وهي لا تستريح لحكومة الوفاق بسبب خلفيتها الايدولوجية لكنها لم تعلن انحيازها لطرف علي حساب طرف أخر ووقفت علي الحياد ” وهو ما يجعلها اكثر قبولا لدي طرف حكومة الوفاق في التوسط لإيجاد حل سياسي

ويري الشربيني ان كل المسارات تقود الي عملية تقسيم ليبيا وان هذا الامر كله بتخطيط من الدول الغربية منذ سقوط القذافي من اجل السيطرة علي النفط الليبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى