مي عزام تكتب: صورتك بعد ألف عام

 

(1)

ماذا سيبقى منا بعد الرحيل؟

كومة عظام وسيرة تروى ودعاء على لسان المقربين منا وبقايا حزن في نفوس الأحبة.

 

كم نبقى في الذاكرة ؟

على قدر العطاء تكون المنح ، لو حسبت كم غرست من فسائل خير وعطاء ستعرف كم يدوم ثمرك.

ماهى صورتك عند الناس؟

هل شغلتك صورتك عن نفسك ؟

هل أخذك الغرور حتي وقعت في هواها مثل ” نرسيس”؟

أم كنت سجين مرحلة واحدة فى حياتك ظننتها الأهم والأجمل مثل ” دوريان جراي” .

أم أن صورتك عن نفسك كنت تراها فى عيون الآخرين مثل بيكولا فى” العيون الأكثر زرقة ”

أم أنك تجاوزت كل ذلك واقتربت منها وخبرت حقيقتها ورضيت بها وعنها، ومع الزمن حاولت أن تصلح فيها لتصبح أفضل فى عينيك وعين الآخرين.

(2)

تداعت هذه الأفكار فى عقلى وأنا أشاهد متظاهرين فى مدينة بريستول الانجليزية يسقطون تمثالا لتاجر رقيق بارز عاش في القرن السابع عشر يُدعى إدوارد كولستون. هذا الرجل أصبح ثريا من تجارة الرقيق ورغم انه تبرع بثروته المشبوهة لصالح الأعمال الخيرية في مدينته، فها هى السنين تمر ويعيد الجيل الجديد تقييم من اعتبرهم الأقدمين عظماء ولهم أيادي بيضاء، فتاجر الرقيق الذى كرمته مدينته بتمثال ضخم نصبته فى أكبر ميادينها، وجده المتظاهرون مذنب، وجريمته لا تسقط بالتقادم.

(3)

العظمة والنفوذ والسلطة والجمال، تتغير معايرها من عصر لآخر، مقدار ما لدى شخص من عبيد وإماء فى عصور قديمة كان دليل الثراء ورغد العيش، أما الآن فهذا الشخص يعد مجرما منتهكا لحقوق الإنسان.

تتغير أشياء وتبقى أخرى … معايير الأخلاق ومعاني الإنسانية: حب الخير لنفسك والآخرين كف الأذى عن الناس، الصبر ،الأمانة ، الصدق ،الرحمة ،العدل ،المساواة، الكرم والإحسان،التأمل والتعلم والتدبر والحكمة وغيرها،سمات تظل على الدوام معيار لعظمة صاحبها، بقدر تمسكه بهذه الأخلاق والقيم الرفيعة بقدر ما تكون عظمته حقيقية لا ينال منها الزمن.

(4)

فى طفولتى كنت أستمتع بقصص تروى عن الأجداد، كان يذكر أمامي الكثير من الحكايات عن جد أبى وجد أمي،كلاهما كان عمدة من ذوى الأملاك لكن شخصية كل منهما كانت نقيضا للآخر، جد أبى كان طيبا كريما للغاية، قلبه أبيض، باسط يده للجميع وكان يشاع عنه أن دعائه مستجاب ،أما جد أمي فكان شخصا ذو هيبة ، شديد الغطرسة يتعامل مع فلاحيه بشدة ومع عبيده بقسوة، ولقد ترعرعت أمي فى منزله الكبير وكان مازال لديهم أسرة من العبيد باقية فى خدمتهم.كرهت في طفولتي جد أمي، وأحببت جد أبى الطيب الذي يذكره الجميع بعبارة “الله يرحمه كان أطيب الناس”.ربما كان جد أمى أكثر سطوة ونفوذ فى حياته من جد أبى، لكن من عاشت سيرته الطيبة أطول كان الأخير … انتصرت الطيبة المثمرة على القوة الغاشمة المهلكة.

(4)

الأمثلة الشخصية التى نستقيها من ذكرياتنا لا يصلح أن تكون عبرة للعامة ، فهى فى النهاية محدودة التأثير يقل عدد ناقليها مع الزمن، لكن سير العظماء من رسل ومصلحين وزعماء ومفكرين وعلماء وغيرهم من الذين ساهموا فى تغيير حياة الناس إلى الأفضل فى بلدانهم وحول العالم، فتبقى حاضرة فى ذاكرة التاريخ المحفوظ والمسجل، يمكنك أن تطبق عليها معايير العظمة الحقيقية لترى بنفسك. تاجر الرقيق إدوارد كولستون الذى ذكرته فى بداية هذا المقال ،توفى قبل 300 عام،ظل من حينها وحتى هذا الشهر يعامل معاملة الأكرمين، وكان تمثاله رمزا لذلك، حتى تحول فى نظر المتظاهرون ضد العنصرية إلى رمز لفترة ملعونة فى تاريخنا المعاصر ، فترة تجارة الرقيق وجلبهم من افريقيا للعمل فى المزارع الأمريكية كعبيد بلاحقوق.

مر على وفاة الكثير من العظماء أكثر من ألف عام ، بعضهم مازالت صورته بهية وسيرته عطرة ويعد نموذج وقدوة للناس فى كل العصور. أسرح بخيالى وأيشرد ذهنى وأفكر فيماذا سيقول أحفاد أحفاد أحفادنا عن زعماء اليوم والشخصيات التي تزهو بنصيبها الواسع من العظمة والثراء والنفوذ، ماذا سيبقى منهم مع الزمن؟، وأتخيل ما هى ياترى التماثيل التى سيزيلها أحفادنا يوما من الميادين الكبرى حول العالم لأنهم تبينوا أن عظمة هؤلاء كانت زائفة .

وماذا يبقى منا ، أنت وهو وأنا …بعد الرحيل ؟.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى