معصوم مرزوق يكتب: والله .. لن أضر النيل !

هل كان ” قسم ” رئيس وزراء أثيوبيا في القاهرة ” بعدم التسبب في الأضرار بمصر ” ملزما لدولة أثيوبيا ؟..

رغم أن الناس اخذوا الموضوع بشكل فكاهي ، فأن الحقيقة القانونية هي أن أثيوبيا ملزمة بتنفيذ ما ورد في قسم رئيس وزرائها حتي ولو بدا الموضوع هزليا..

تصريحات بعض المسئولين ترتب التزامات دولية علي بلادهم ، وخاصة إذا كان هذا المسئول رئيسا للدولة أو رئيسا للوزراء أو وزيرا الخارجية.

تصريح المسئول ، مسئولية ..

لتوضيح ذلك ، أضع تحت بصر الجميع مثالا تطبيقيا في نزاع ما بين النرويج والدنمارك :

فقد صرح وزير خارجية النرويج، نيلس كلوز إهلن، حول موضوع سيادة الدنمارك على غرينلاند، أن “…خطط الحكومة الملكية [الدنماركية] بشأن السيادة الدنماركية على كامل تراب غرينلاند ستتحقق بدون أي مشاكل من جانب النرويج”.

وقد احتجت الدنمارك بهذا التصريح واعتبرته ملزما لحكومة النرويج أمام المحكمة الدائمة للعدالة الدولية في شكل قضية غرينلاند الشرقية في عام 1933.
وأصدرت المحكمة الدولية قرارًا في لاهاي بمنح الأراضي المتنازع عليها للدنمارك. وأوضحت المحكمة في حكمها أن إعلان وزير خارجية النرويج إهلن شكل وعدًا غير مشروط ونهائي.

أي أن المحكمة اعتبرت التصريح الشفهي بمثابة التزام من جانب واحد لصدوره من شخص يعتد القانون الدولي بما يصدر عنهم كتعبير عن التزام لدولتهم .

إتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام ١٩٦٩ والتي دخلت حيز النفاذ عام ١٩٨٠ ، حددت في الفقرة الثانية من المادة السابعة الاشخاص الذين لا يحتاجون لإبراز تفويض عند التعاقد الملزم لدولهم ، وهم رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية ..

والإرادة المنفردة لا تحدث أثرا بشكل عام إلا إذا سبقها أو لحقها تفاعل إرادات أشخاص قانونية أخري تعاملت معها بصفة رئيسية أو تبعية سواء تصريحاً أو تلميحاً ..

الاعلان المنفرد أو الأحادي لأي دولة لا يمثل أي التزام علي دولة أخري ، إلا أن الدول الأخري يمكن لها أن تتمسك بأي التزام تضمنه تصريح أحادي لتلك الدولة ، ولا يجوز للأخيرة ( صاحبة الاعلان ) أن تتنصل منه بشكل تحكمي ، إذ يجب أن تراعي المدي الذي أعتمد عليه الآخرون نتيجة لهذا إعلان الأحادي .

والصمت يعد التزاماً منفرداً من دولة إزاء تصرف دولي لدولة أخري ( وهو تطبيق لقاعدة estoppel ) ، ولا يجوز لها أن تحتج بغير ذلك في سلوكها الدولي ( وقد استخدمت هذا المبدأ في مرافعاتي أمام مجلس الدولة بشأن تيران وصنافير ، كحجة إضافية علي أساس أن صمت السعودية منذ نشأتها عام ١٩٣٢ يعد بمثابة إقرار بالصمت يمثل التزاما يعتد به في القانون الدولي ) .

بالإضافة لقضية النرويج والدنمارك التي طبقت فيها محكمة العدل الدولية الدائمة الإلتزام بالتصريح من جانب واحد ، فهناك حالات أخري قضي فيها القضاء الدولي لنفس السبب ومنها مثلا قضية التجارب النووية الفرنسية في جنوب المحيط الهادي ، وكذلك النزاع الحدودي بين بوركينا فاسو ومالي ، والنزاع التجاري بين الاتحاد الاوروبي وأمريكا في منظمة التجارة الدولية … وهي حالات تؤكد اعتداد القضاء الدولي بالتصريحات أحادية الجانب إذا صدرت ممن له صلاحية تمثيل الدول علي المستوي الدولي ..

وقد اعتبر الفقه ان هذا النوع من الإعلانات ملزم حتي ولو صدر في غير حالة نزاع مثل إعلان الملك حسين الاحادي الجانب بفك الروابط مع الضفة الغربية التي كانت حتي عدوان ٦٧ جزء من المملكة الاردنية الهاشمية ، وكذلك كان تصريح وزير خارجية كولومبيا الذي أقر فيه من جانب واحد بسيادة فنزويلا علي الجرف القاري في خليج لوس مونجيز.

وفقاً للقانون الدولي يمكن أن تكون الإعلانات الأحادية كتابة أو شفاهة ، وقد تواترت أحكام المحاكم الدولية علي أن الشكل الذي يصب فيه الإعلان الأحادي لا يؤثر في مضمون وصلاحية آثاره القانونية ( إذا اختار مسؤول أن يتعهد ولو بشكل هزلي ، فهذا هو العمل الذي هزله جد وتتحمل نتائجه الشعوب ) .

الفقه الدولي في مجموعه وباستثناءات نادرة يتفق علي أن الالتزام من جانب واحد أو التصرف المنفرد يعد مصدراً مستقلاً من مصادر الالتزام في القانون الدولي ، حتي ولو اتخذته دولة في مواجهة العالم ( مثل الإعلان الأحادي للرئيس ترومان بشان الجرف القاري … الذي أصبح بتواتر العرف قاعدة في اتفاقية 1958 لقانون البحار ) ..

بالإضافة إلي السوابق القضائية ، وما توصل اليه الفقه الدولي ، فأن لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة قامت بدراسة معمقة للموضوع لمدة ناهزت عشرة أعوام ( 1996 – 2006 ) وتوصلت فيها إلي نفس النتائج ، ومن ذلك رأي الفقيه جين شاربتير ( Engagements unilatereux et Engagements conventional

كان من رأي الاستاذ شاربنتيير أنه يجب التركيز علي أن قيمة التصرف الأحادي المنفرد من الزاوية القانونية تترتب علي الخصائص الذاتية للتصرف بإعتباره تعبيرا عن الإرادة أو الرضا ، وإنتاجه لآثاره علي المستوي الدولي ، بينما اعتبر الفقيه فلاديمير دورو أنه ربما لا توجد قاعدة حاكمة في القانون الدولي تحول دون تصرف الدول بشكل ملزم قانوناً حتي ولو كان ذلك بشكل منفرد ، حيث يري أن الفارق بين هذا الإلتزام والإلتزام التعاقدي هو فارق في الشكل فقط .

واثناء عملي في نيويورك حضرت سلسلة محاضرات في جامعة سان جونز حول آثار التصرفات المنفردة للدول في القانون الدولي ونشرت الخلاصات في مجلة الدبلوماسي ، وكذلك نشرت مقالاً حول نفس الموضوع في صحيفة East African قبل الغزو الامريكي للعراق عام 2003 ( وسببت لي مشاكل مهنية ) ..

وفي حكم محكمة العدل الدولية في قضية التجارب النووية الفرنسية في جنوب المحيط الهادي اوضحت المحكمة أن التزام المسؤلين الفرنسيين بشكل علني ، يكشف بشكل بين نية الالتزام بعدم اجراء تجارب نووية في هذه المنطقة ، وهو يمثل التزاماً دولياً علي فرنسا حتي ولو لم يترتب علي مفاوضات دولية ، واشارت علي وجه الخصوص الي تصريح للرئيس الفرنسي أشار فيه الي أن فرنسا استكملت مؤخراً سلسلة من التجارب ولا تنوي القيام بتجارب أخري ، وقالت انه لا يوجد أدني شك في أن تصريحات لرئيس الدولة سواء كتابة أو شفاهة تمثل في العلاقات الدولية التزامات علي الدولة الفرنسية .

وفي قضية قانون التجارة بين الإتحاد الأوروبي وأمريكا عام ١٩٩٩ ، تناولت لجنة تسوية المنازعات في منظمة التجارة العالمية القيمة القانونية لإعلانات أحادية الجانب صدرت من بعض المندوبين الأمريكيين ، في إطار يطوي تقدم بها الاتحاد الاوروبي متهما أمريكا بإصدار تشريعات لا تتفق مع التزامات منظمة التجارة العالمية ، فقد اعتدت اللجنة بتصريحات للمندوبين الأمريكيين أفصحت عن ان أمريكا سوف تنفذ تلك التشريعات بما لا يتعارض مع التزاماتها في منظمة التجارة العالمية ، وأعلنت اللجنة أن تلك التصريحات لم تكن نتيجة جدل أو ضغوط مناظرات قانونية ، وبالتالي فأن ما ورد فيها يعد تعبيرا عن إرادة الادارة الأمريكية تلزم تقنينها في تشريعاتها الداخلية .

ولعل ما تقدم يكفي لتأكيد أن رئيس وزراء أثيوبيا حين أقسم خلف الرئيس المصري بعدم إحداث ضرر ، يكون قد وضع الزاما علي دولته لا يمكنها قانونا التنصل منه ، خاصة وأنه يتماشي مع التزام تعاهدي في اتفاق عام 1902 ، وفي اتفاق حديث عام 1993 ..
ولكن كيف تؤدي أثيوبيا هذا الالتزام ( أو تعوض عنه) فذلك أمر آخر ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى