مي عزام تكتب: حين يسبق الماضي المستقبل

“تمامًا كمريض بلغت درجة حرارته 40 ثم انخفضت بالعلاج إلى 39، هناك تحسن طفيف ولكنه ما زال يحتاج للمزيد من الجهود لتستقر حالته”. هل ينطبق هذا الوصف على مصر؟ هل مصر مريضة؟ هل تسلل فيروس كورونا الضعيف والفتاك إلى حياتنا، ليظهر لنا هشاشة ما نحن فيه وغيرنا أيضا؟
على مر التاريخ أصيبت مصر بأمراض خطيرة في المجتمع وأنظمة الحكم، وأزمات صعبة واحتلال، ترنحت وكادت أن تتهاوى وظن البعض أن جسدها العملاق على وشك أن يدفن في الثرى، وأنها بعد قليل ستكون حفنة من التراب، وسيضيع أثرها في التاريخ وموقعها من الجغرافيا.. ولكنها تخدع الجميع، كيف؟ لا أدري.. لكنه حدث من قبل، وسيحدث من بعد.
تُبعث مصر من جديد، مثل طائر العنقاء الأسطوري الذي ينتفض من رماد حريقه ليعود أكثر قوة وفتوة وهيبة.
اليأس هو الفيروس المخادع، لا تدعوه يستقر حيث تحبون، لا تدعوه يستقر في قلوبكم.. فليكن كلمة حين ننطق بها تموت، فلم يبق أمامنا إلا طريق الأمل.. أمل البعث من جديد، أمل “إيزيس” وهي تجمع أشلاء “أوزوريس” المتفرقة في أنحاء مصر المحروسة.
كل يوم تأتينا أخبار تؤكد تكاثر النوائب علينا، أرضنا تنبت شوكًا يوخزنا كلما سرنا عليه زحفًا أو هرولة، الفساد يلتهم حصاد الناس الطيبين وكأنه جراد لا يترك على الأرض الطيبة سوى الخراب أينما حل، ومساحات شاسعة من الفراغ، أحلامنا تكسرت على صخور الواقع، عدنا من رحلة الثورة كـ”سانتياجو” بهيكل عظمي، أسماك القرش المفترسة أكلت ما كافحنا من أجله وظننا أنها نهاية نظام قديم بالٍ، لكن القديم مازال يحدق في عيوننا بجرأة وخيلاء وغطرسة، لكن بقيت ذكرى الثورة دليل نبل الحلم وظلم الواقع: الأسماك الكبيرة تلتهم دائمًا الصغيرة في البحار والمحيطات.
حوادث سوداء، كنفوس بعض البشر الذين يريدون بهذا البلد شرًا، الحكماء تتناقص أعدادهم يومًا بعد يوم، فهناك من يفضل أن يشرب من نهر الجنون ليبقى في حزب الأغلبية، الوقوف مع الأقلية قد يؤدى لهلاكك، ستأتي الأغلبية تطالب برأسك كما فعلت من قبل “سالومي”، أنت الخطر.. وأنت الضرر.. والمطلوب التخلص منك وإلى الأبد، ستمر السنون ويظل الهتاف: المجد لـ”يحي” والخزي لـ”هيرودوس “.
الشرفاء يتساقطون بلا مبرر، والأهداف تبدو بعيدة خلف الضباب، ينخدع البعض بأجراس الحفل الكبير.. حيث يجلس الفرعون على عرشه وينادى أتباعه: “يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري”، نصدقه حينًا ونكذبه حينًا، وحين نسقطه، نسارع بالبحث عن فرعون جديد، أشد قوة وأكثر عزمًا من سابقه، وكأن موسى ما خرج من مصر، وكأن فرعون ما غرق في البحر.
والكاتب المصري “شاهد مشافش حاجة”، يجلس القرفصاء بجسده المترهل، يكتب ما يُملى عليه ويأتي من بعده من يمحو كتاباته، لا يثور ولا ينزعج فـ”هذا عيشنا” وهذا “ما ألفينا عليه آباءنا”.
الموتى يرسمون لنا حياتنا، نستفتيهم في قبورهم في أمور دنيانا، فبعد مئات السنين مازلنا لم نبلغ سن الرشد بعد، ولا نعرف من دونهم كيف نخرج من ضلال القرن الواحد والعشرين، الماضي يسبق المستقبل، معضلة عصية على الحل.
مثلكم.. لا أملك علاجًا ولا وصفة سحرية للمستقبل الذي نطمح إليه، ليس لدي سوى أسئلة حائرة حول دوائر التيه، وكيف نخرج منها؟ ولماذا خاصمنا العلم والصدق والكفاءة والأمانة وصادقنا الزيف والفهلوة والنفاق؟
لكن عندى أمل.. أن مصر تمرض لكن أبدًا لن تموت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى