بريت ستيفانز يكتب: كتاب يحكي كل شيء.. ولا يفسر أي شيء

قال كارل بوبر ذات مرة: “نظرية تشرح كل شيء، لا تفسر أي شيء”..

تقدم مذكرات جون بولتون القادمة عن فترة عمله التي استمرت 17 شهرًا كمستشار للأمن القومي لدونالد ترامب، كتابًا يحكي كل شيء للجميع، لكنه- بطريقة أو بأخرى- لا يقول أي شيء.
يكتب “بولتون” أن مقايضة “ترامب” في أوكرانيا كانت “سياسة سيئة، مشكوكًا فيها من الناحية القانونية، وغير مقبولة كتصرف رئاسي”، وأعتقد أننا كنا نعرف ذلك مسبقًا، وكتب أن فلاديمير بوتين “كان عليه أن يضحك على ما أفلت من فعله في هلسنكي”، كنا نعرف ذلك، كما كتب أنه بالنسبة لترامب، فإن عرقلة سير العدالة تمثل “أسلوب حياة، وقد عرفت ذلك أيضًا مسبقًا.
وكتب “بولتون” أن “ترامب” حاول مخالفة نظام العدالة الجنائية لتقديم خدمات لشي جين بينج، الرئيس الصيني، ورجب طيب أردوغان، الرئيس التركي، حسنًا، لم أتفاجأ من ذلك، وكتب أن مايك بومبيو، وزير الخارجية المؤيد لـ”ترامب” في العلن، يعتقد- في قرارة نفسه- أن رئيسه “مليء بالقذارة”، ولم يفاجئني ذلك، كتب أيضًا أنه في خضم المفاوضات التجارية، ناشد ترامب نظيره الصيني للمساعدة في “ضمان فوزه” في انتخابات عام 2020، أيضًا لم يفاجئني ذلك، وكتب أن “ترامب” اعتقد أن بناء الصين لمعسكرات الاعتقال لعرقية الإيجور المسلمة كان “الشيء الصحيح الذي ينبغي القيام به”، أمر مروع، ولكن لم يفاجئني هو الآخر.
كما كتب “بولتون” أنه “من الصعب تحديد أي قرار هام لترامب خلال فترة ولايته في البيت الأبيض، لم يكن مدفوعاً بحسابات إعادة انتخابه”، نعم بكل تأكيد نعرف هذا. وكتب أن “تفكير ترامب كان عشوائيًا، وترك لنا مهمة العمل السياسي الحقيقي”، حسنًا يبدو هذا واضحًا، وكتب أن “ترامب” لم يكن يعرف على ما يبدو أن المملكة المتحدة قوة نووية، وتساءل عما إذا كانت فنلندا جزءًا من روسيا!
لقد حاول “بولتون” نشر الكثير من المعلومات التي “تفضح” ترامب، لكنه في نهاية المطاف كشف عن القليل جدًا من المعلومات الجديدة، وفي الواقع إذا لم تكن قد تأكدت حتى الآن من أن دونالد ترامب “غير منظم” و”غير عقلاني” و”أحمق” و”غير مطلّع بشكل مذهل”، فمن غير المرجح أن يقنعك هذا الكتاب بأي شيء.
ولكن السؤال الأكبر الذي يلوح في الأفق حول كتاب “بولتون”، لا يتعلق بموضوعه، إنه يتعلق بصاحب الكتاب نفسه، وكل من انضم إلى هذه الإدارة وشارك فيها وخرج منها دون خجل، كيف يمكن لأشخاص مثل بولتون، ورينس بريبوس، وجاري كوهين، وريكس تيلرسون أو مايك بومبيو (عندما يغادر في نهاية المطاف)، تبرير عملهم مع هذا الرئيس الطائش؟
هناك أسباب أشارت إليها آن أبليباوم في مقال رائع، تفسر قبول هؤلاء العمل مع رئيس مثل “ترامب”، مستلهمة إياها من كتاب “العقل الأسير” لتشيسلاف ميلوش، منها الارتياح، والمتعة، التوافق السياسي أحيانًا، وهناك جاذبية القوة والسلطة أو القرب منها، بالإضافة للسعي إلى جني الأرباح بالطبع.
كلّها أسباب منطقية وقابلة للتطبيق بشكل واضح على “بولتون”، لكن المثير للسخرية أن يعمل “بولتون” من أجل رئيس كان يزدري شخصيته ويعارض نظرته للعالم، وأن يشاهد هذا الرئيس وهو يرتكب العديد من الجرائم التي يحتمل أن تكون قابلة للمساءلة، ومن ثم يجلس في مقعد المتفرج، متذرعًا بعذر “مثير للشفقة”، مفاده أن شهادته “لم تكن لتحدث أي فرق يذكر”.
من المثير للسخرية أيضًا أن يفترض “بولتون” أن كتابه سيكون له أي تأثير على احتمالات إعادة انتخاب “ترامب”، ومن المثير للسخرية أكثر أن يسعى لجني الأرباح بفضل رئيس خانه وأمة خذلها، أما الفكرة الأكثر سذاجة، فهي تخيله أنه سيتم الإشادة به وبشجاعته، بعدما أصبح واضحًا للجميع أن دوافعه “انتقامية”.

أكتب كل هذا كشخص يتشارك العديد من وجهات النظر مع “بولتون”، كما أنني من بين الأشخاص الذين نصحوه بينما كان لا يزال في منصبه، بأن يستقيل، ومن المؤسف أنه لم يفعل ذلك بينما كانت لا تزال لديه فرصة للحفاظ على مكانته، والآن، بعد فوات الأوان، سيكون “بولتون” شديد السذاجة إذا تخيل أنه يمكن أن يفلت من حكم التاريخ ببعض “قصص معروفة مسبقًا” في كتابه.

نقلاً عن “نيويورك تايمز” بتصرّف
ترجمة: مصطفى إبراهيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى