معصوم مرزوق يكتب: نبش في الهوية

كيف تدهورت الحضارة العربية / الإسلامية، وكيف يمكن استعادتها؟

تفاقمت الأزمة عندما اصطدمت تلك الأمة في ميدان القتال مع أوروبا، واتضح الفارق الشاسع بين قدرات الطرفين، واستمرت الهوة الحضارية في التزايد لصالح الغرب لدرجة أربكت فكر الأمة ومفكريها .
لقد ذهب اتجاه إلى رفض رؤية الواقع، واستمرار التعلق بالماضي / التاريخ أو محاولة العودة العكسية (والمستحيلة) إليه من خلال منهج يتخذ من أدوات ذلك الماضي، أو ما يتوهم أنها أدواته، وسيلة لتحقيق هذا الهدف المستحيل، وهو في هذه المحاولة يضع أغلب أسباب التدهور على أكتاف “الآخر”، حيث تسيطر نظرية المؤامرة، وتقتصر مسؤولية الأمة في ابتعادها عن “النموذج المثالي” للأوائل، دون أي جهد نقدي حقيقي لذلك النموذج، حيث إنه يكتسب هالة من القداسة لدى معتنقي هذه التوجه .
ويقترب من هذا الفريق فريق آخر يتخذ موقفاً عدائياً رافضاً للحضارة الحديثة بكل مشتملاتها، دون تمييز بين ما يمكن الاستفادة به من منجزاتها، وما يمكن استبعاده من أيديولوجيتها وفلسفتها، فهو رفض مطلق للآخر، ولا يقدم في نفس الوقت البديل الموضوعي الممكن لتحقيق التقدم .
يرى الاتجاه الأصولي أن من يطلق عليهم “الإصلاحيين” كانوا علي درجة من التبسيط المخل حين حاولوا أن يجسروا الهوة بين واقع الأمة المتخلف وبين الغرب، من خلال النظر إلى محاولة البحث عما يوجد “لديهم” ولا يوجد “لدينا” ثم استيراد ما لديهم كي يصبح لدينا، وبالتالي يمكن حل مشكلة التخلف .
يري الأصوليون أن مشكلة هؤلاء الإصلاحيين أنهم لم يضعوا في اعتبارهم عنصر “الإسلام” بوصفه المميز الأول للأمة، بل أنهم اعتبروا– ولو ضمنياً– أن هذا الإسلام هو سبب التخلف، وبالتالي يتطلب إعادة النظر في نظامه .
ولا بد هنا من التحفظ في استخدام مصطلح ” الأصوليين”، فلدينا تحت هذه المظلة اتجاهات مختلفة منها مثلاً الاتجاه المتشدد أو المحافظ الذي تبنته الحركة الوهابية في القرن الثامن عشر الميلادي، وتمثل في محاولة العودة إلي أمجاد الماضي بالتخلص من “البدع” التي استحدثت، فهو تيار ضد الحداثة، نشأ وترعرع في بيئة إسلامية / عربية ولا يمكن الزعم بأنه استيراد من الخارج، ولكنه كان رد فعل لإرهاصات التيار الإصلاحي الديني والسياسي، ومشكلة هذا التيار (مرة أخرى) أنه يقطع علاقته بالتاريخ، فهو يقفز قفزة هائلة كي يعود إلى فترة النبوة والخلافة ولا يتجاوزها، مختصرًا القرون التالية عليها بكل ما اشتملت عليه من تفاعلات فكرية واجتماعية وسياسية وثقافية، أصبحت بلا شك جزءًا من نسيج الهوية.
ومن تحت عباءة التيار السابق خرجت فكرة “جاهلية المجتمع”، فإذا كان التيار السلفي يريد العودة إلى فترة النبوة والخلافة، فإن الاستطراد المنطقي لذلك أن المجتمع الحالي هو مجتمع الجاهلية، ونبتت فكرة التكفير والعنف التي أصبحت خياراً يحتاج إلى مراجعة، فمن ناحية هو خيار لوسيلة لا يمتلك المجتمع أدواتها، بل هي أضعف نقاط النسيج العربي / الإسلامي، ومن ناحية أخرى فإنها هدر لطاقات يمكن توظيفها بذكاء لبناء عناصر القوة الشاملة الحقيقية التي قد يصبح مجرد امتلاكها إعفاء من استخدام هذا الخيار، ثم ثالثاً– وهو الأهم– أن هذا الخيار دون قواعد تنظيمية وحركية يؤدي إلى أن يصبح العنف غاية في ذاته وليس وسيلة، وتترتب على ذلك نتائج سلبية عديدة لعل أخطرها انفجار ثقافة العنف في المجتمع نفسه، وهو ما حدث ويحدث للأسف الشديد..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى