محمود خليل يكتب :ترك المواطن لضميره

إذا كان الشعب لا يتمتع بالدرجة الكافية من الوعى من وجهة نظر المسئولين.. فعلى المسئول عن الناس أن يكون واعياً بغياب الوعى عنهم!. عدد من الوزراء والإعلاميين اتهموا المجموع الشعبى بعدم التمتع بالوعى المطلوب للتعامل مع «كورونا»، وردد أن سلوكيات الناس هى السبب الأهم لزيادة معدلات انتشار فيروس كورونا. ولست أختلف مع أصحاب هذه النظرية، لكن علينا أن نعترف أن ذلك سمت وسمة كل شعوب العالم. فالبشر يتفاوتون فى مستويات وعيهم، وهناك من يؤدى سلوكياً بشكل يحميه ويحمى من حوله، وهناك من يفعل العكس فيضر نفسه ومن حوله، لكن يظل أسلوب المسئول فى اتخاذ ما يلزم من إجراءات هو الضمانة الأكبر لإلزام قليلى الوعى بالاحتياطات المطلوبة لحماية أنفسهم وحماية غيرهم.

فيديوهات وصور عديدة تم تداولها لتزاحم الأهالى أمام لجان الثانوية العامة وهم يزفون أبناءهم إلى اللجان، أو خلال مكوثهم فى خروجهم بعد الانتهاء من الامتحان. المشهد كان مقلقاً للغاية، فالعدد كان كبيراً والتلاصق بين المحتشدين بان خطيراً، نعم كانت هناك نسبة لا بأس بها تظهر وهى ترتدى الكمامات، لكن فى حدود ما نتابعه نجد أن بعض الأطباء أصيبوا بالعدوى من بعض المرضى الذين يتولون علاجهم، رغم أن الطبيب يحترس بأكثر من الكمامة ويتخذ العديد من الاحتياطات ما يزيد عما يتخذه المواطن العادى فى مثل هذه المواقف. مشهد المتزاحمين حول لجان الثانوية العامة يعبر عن انعدام الوعى هذه مسألة لا خلاف عليها، وهى أيضاً ليست جديدة، فقد اعتاد الكثير من أولياء الأمور على ذلك، وقد كان الأجدى أن يتخذ القائمون على امتحانات الثانوية العامة من الإجراءات ما يمنع مثل هذه المشاهد المتوقعة.

منذ عدة أسابيع اتخذت الحكومة قراراً بعدم إخضاع المصريين القادمين من الخارج للحجر الصحى لمدة 14 يوماً كما كان متبعاً واكتفت بإلزامهم بالتوقيع على إقرار بالعزل المنزلى لنفس المدة، ثم تركتهم لضميرهم!. الحكومة حذرت أيضاً أولياء أمور الثانوية العامة من مخاطر التزاحم أمام اللجان، ثم تركتهم لضميرهم بعد ذلك. العائدون من الخارج تُركوا لضميرهم فى مسألة العزل فانطلقوا، وأولياء الأمور تُركوا لضميرهم فيما يتعلق بمسألة الزحام فاحتشدوا. وليس كذلك تؤتى الأمور. لذا أجد من المهم أن تتخذ الحكومة إجراءات سريعة لمنع كل أنواع التزاحم أمام اللجان، سواء من جانب أولياء الأمور أو الطلاب. وثمة ضرورة أيضاً لاتخاذ إجراءات مماثلة فى المسائل الشبيهة. فإذا كانت الحكومة قد بدأت رحلة التعايش مع الفيروس -شأنها فى ذلك شأن العديد من حكومات العالم- فعليها أن تستوعب أن التعايش يقتضى إجراءات احترازية محددة، بعيدة كل البعد عن فكرة ترك المواطن لضميره، والدول التى بدأت التعايش لم تعتمد على نظرية «السداح مداح»، بل اتجهت إلى التعايش وفق إجراءات منضبطة، تساهم فى التقليل من سرعة ومساحة انتشار الفيروس.

مسألة ترك المواطن لضميره مع بدء رحلة التعايش مع فيروس كورونا لا تقل كوميدية عن مسألة ترك الفيروس لضميره.
نقلا عن جريدة الوطن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى