معصوم مرزوق يكتب: التفاوض المائي

هذه مرحلة دقيقة من حياة الوطن، تفرض على كل من يعيش على أرضها أن يسهم قدر استطاعته وبما قد يعرفه، دون مصادرة على حق الحكومة في التصدي رسميًا لمهامها.. ونحن هنا لا نزايد على أحد .
بعد القمة الافتراضية لدول النيل الأزرق برعاية الأتحاد الأفريقي، خرجت تصريحات وردية مشجعة بشأن قرب الخروج من معضلة التفاوض بشأن سد النهضة .
إلا أن بيان مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي الذي صدر صباح اليوم التالي، تضمن إشارات غير مريحة، أبرزها التأكيد على اتفاق الأطراف على “أفريقية الحل” (أي استبعاد مجلس الأمن أو أي إطار آخر)، وأن الهدف هو “محاولة التوصل” خلال أسبوعين (وليس اشتراط التوصل للبدء في الملء)، ثم الإشارة إلى اتفاق الأطراف على إبلاغ مجلس مجلس الأمن بأن الاتحاد الأفريقي “قد تولي الموضوع is seized of the matter ” أي إغلاقه في مجلس الأمن ..
إلا أن الأخطر هو ما ورد في مقدمة البيان، من أن المناقشات دارت حول “الملء الأول والإدارة السنوية”، أي استبعاد أي موضوع آخر مثل “الحقوق التاريخية والقانونية المكتسبة”، وأهمية التأكيد على التزام “منع الضرر” بكل مشتملاته الاقتصادية والبيئية والاجتماعية على باقي الدول.
لا أظن أن تلك الإشارات وردت بحسن نية، على الأقل نريد تفسيرًا لها، أو أن يصدر من جانبنا تصحيحًا لهذه التعبيرات غير الكريمة.
بعد بيان مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي، أرجو ان يظل مجلس الأمن متوليًا للموضوع(seized of the matter)، واحتراما للاتحاد الأفريقي، ربما يكفي في هذه المرحلة طلب إرجاء المناقشة وفقًا للفقرة ٥ من المادة ٣٣ لقواعد الإجراءات، حتى يتضح موقف الجانب الإثيوبي من مهلة الأسبوعين، أي أن ما ورد في التفاهم الأخير بشأن مجلس الأمن سوف يتم تأجيله .
وربما يحسن أن نذكر من قد لا يعلم بأن هناك نقطة في منحنى التفاوض، تمثل أعلى ما يمكنك الحصول عليه، إذا صممت على المواصلة بعدها فمن المرجح أن تخسر، وقد ينقلب المنحنى بشكل عكسي ..
هل يفهم الإثيوبيون هذه الحقيقة العلمي؟

لقد تحقق لهم حتي الآن ما لم يكن ميلس زيناوي يتخيله عام ٢٠٠٦ (كان قصارى ما يتمناه عدم تمسكنا باتفاقية ١٩٠٢ و١٩٩٣ التي وقعها هو نفسه).
أرجو أن يفهم الأشقاء في إثيوبيا أن التفاوض علم، وأنهم إذا واصلوا تكتيكات كسب الوقت، سيدخلون المنطقة إلى نفق مظلم ..
من المهم إدراك أنك تستطيع تحقيق مكسب تكتيكي اليوم، على حساب خسارة استراتيجية فادحة غدًا، وأن الطرف المقابل قد يبتلع خديعتك اليوم، ولكن هذه هي البداية المؤكدة لتحويل أزمة يمكن- بل يجب- إدارتها، إلى صراع لا تمتلك فيه أدوات الطرف الآخر ..
وعلى الجانب المصري أيضًا أن يتأهب، لأن المصالح العليا لا تؤمن- فقط- بحسن النوايا ..
ولابد أن أؤكد أنني لست من أنصار البكاء على اللبن المسكوب، ومحاولة مراجعة ما قد يكون أخطاء فادحة في عملية التفاوض، وأرفض قطعيًا تخوين أي مواطن دون أدلة قانونية قاطعة .
عندما تتعرض سفينة في وسط البحر للعواصف وتصبح على وشك الغرق، فلا يصح الصراع على من يمسك الدفة..
هذه لحظة الاصطفاف والإيثار والتضحية، وليست لحظة التلاوم والعتاب والاتهام ..
“كلنا النيل إذا ما النيل نادي”..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى