عمرو الشوبكي يكتب: المراوغة الإثيوبية

أعلنت إثيوبيا فى القمة الإفريقية المصغرة موافقتها على عدم ملء سد النهضة فى يوليو القادم إلا بعد التوصل لاتفاق مع مصر والسودان، ثم عادت وأعلنت، أمس الأول، على لسان مكتب رئيس وزرائها (على الأرجح لأسباب داخلية) استمرارها فى إجراءات الملء والمفاوضات معا من أجل التوصل لاتفاق مع دولتى المصب.
والحقيقة أن المراوغة الإثيوبية هى جزء أصيل من تحركاتها منذ توقيع مصر على اتفاق إعلان المبادئ فى 2015، فقد دخلت أديس أبابا سلسلة طويلة من المفاوضات بغرض إضاعة الوقت والاستمرار فى عملية بناء السد حتى قاربت على الانتهاء منه.
والمؤكد أن هناك جملة من الأسباب كثير منها داخلى جعلت إثيوبيا تتبنى المراوغة «كأسلوب حياة»، فهى لا تتفاوض بغرض الوصول إلى اتفاق ولو فى صالحها، إنما هى تراوغ من أجل عدم الوصول إلى اتفاق.
ويشكل الصراع العرقى داخل إثيوبيا عامل ضغط على رئيس الوزراء، فهو ينتمى إلى قومية الأورومو التى نجحت لأول مرة فى حكم إثيوبيا رغم أنها تشكل 40% من عدد السكان، وهناك قومية الأمهرة (الثانية من حيث الحجم) التى تشكل حوالى 25% من سكان البلاد ويتحدثون اللغة الأمهرية وهى اللغة الرسمية فى إثيوبيا، وهناك أخيرا قوميتان مهمتان هما التيجراى والصوماليون وكلاهما يشكل 6% من تعداد السكان، بالإضافة إلى عشرات القوميات العرقية الأخرى التى تتراوح نسبتها بين أقل أو أكثر من 1%.
وقد يكون الهجوم الذى تعرض له أبى أحمد فى الداخل الإثيوبى عقب الإعلان عن عدم ملء السد قبل الوصول إلى اتفاق سببا فى هذا التراجع أو أنه قد دخل المفاوضات وهى ينوى عدم التوقيع من الأصل على اى اتفاق حتى لو ألمح بالعكس.
والمؤكد ان إثيوبيا تعانى من صراع عرقى وقومى عميق، وأن هذا الصراع شهد مواجهات دموية طوال الفترة الماضية حتى تفجرت بين إقليمى أوروميا وبنى شنقول غربى إثيوبيا، كما يشهد الإقليم الصومالى توترات مستمرة بين سكان المنطقة وقوميات أخرى، كما امتدت أعمال العنف والمصادمات العرقية (بعضها ضد الحكومة باعتبارها تمثل الأورومو) إلى مشارف العاصمة، وفى إقليم أمهرا حدثت مواجهات عرقية وتظاهر سكان الإقليم ضد الحكومة المركزية.
ورغم أن أبى أحمد أجرى بعض الإصلاحات السياسية فى الداخل وحسن صورة إثيوبيا فى الخارج إلا أن الوضع داخل إثيوبيا يظل هشا، والصراع العرقى عميقا، وهو ما يجعل قدرته على اتخاذ خطوات جريئة وعادلة فى ملف سد النهضة صعبة لكنها غير مستحيلة، خاصة بعد أن انتقلت مصر فى مواجهتها للتعنت الإثيوبى من السياسة الناعمة إلى الخشنة (شكوى فى مجلس الأمن وغيرها) من أجل أن تدفع إثيوبيا إلى التوقيع على اتفاق ملزم وعادل يحقق مصالح كل الأطراف قبل ملء السد.

نقلاً عن “المصري اليوم”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى