منى مكرم عبيد تكتب : لماذا تحول رئيس الوزراء الإثيوبى من رجل سلام إلى مجرم حرب؟!

فى ديسمبر 2019، كتبت هنا فى «المصرى اليوم» مقالًا بعنوان: هل تصبح «نوبل للسلام» انطلاقة لحل أزمة سد النهضة؟، وتساءلت عن مدى إمكانية التزام رئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد بالحلول السياسية فى أزمة السد بعد تسلمه جائزة نوبل للسلام، ولكن يبدو أن الخطوات الإثيوبية لم تكن كما كنا نتوقع، وكان العناد والشعبوية هما سيد الموقف، ولم تحترم إثيوبيا العلاقات التاريخية بين البلدين، ومضت فى طريقها منفردة دون الاستماع إلى صوت العقل.

فى 21 يونيو الجارى، نشرت «نيويورك تايمز» مقالة بعنوان: «من بطل نوبل إلى الدعوة للحرب»، فى إشارة إلى تغير موقف رئيس وزراء إثيوبيا، وأنه بعد أن منح شعبه والبلدان الإفريقية الأمل بعد وصوله إلى السلطة فى عام 2018، تغيرت المواقف بشكل غير مفهوم، ومن خلال الإصلاحات التى قام بها فى السابق بشأن إطلاق سراح السجناء السياسيين، والترحيب بالمنفيين من الخارج وإبرام اتفاق سلام تاريخى مع إريتريا، العدو القديم لإثيوبيا، عاد من جديد إلى التنصل من كل هذه الخطوات ودق طبول الحرب الأهلية فى منطقة تيجراى، وارتكاب مجازر واعتداءات جنسية وتطهير عرقى.

يرى مراقبون من الأمم المتحدة أن ما يحدث فى الإقليم هو الأسوأ فى العالم منذ مقتل 250 ألف شخص فى الصومال قبل عقد من الزمن، وهو ما يعنى أننا بصدد جرائم ضد الإنسانية لا يمكن أن تسقط بالتقادم، ولم تعد لجائزة نوبل للسلام قيمة طالما يواصل مَن يحملها الدعوة إلى الحروب والتهديد الدائم.

كنت قد طالبت، فى مقال سابق، بأن يقوم المصريون فى الخارج بالدفاع عن حقوق مصر المائية، وتنظيم وقفات احتجاجية أمام سفارات إثيوبيا ومقار الأمم المتحدة فى الولايات المتحدة وأوروبا، والآن أضيف ضرورة أن تكون هناك لهجة أكثر حدة تجاه المواقف الإثيوبية، من خلال الحديث عن اعتبار رئيس الوزراء الإثيوبى مجرم حرب، وضرورة التركيز على هذا الأمر خلال المرحلة المقبلة، فمصر حاولت- حكومة وشعبًا- خلال السنوات الماضية اتباع سياسة ضبط النفس، والحفاظ على الرصيد التاريخى بين البلدين، ومحاولة انتظار بوادر حسن النية من الجانب الإثيوبى، ولكن كل هذه الخطوات لم يتم وضعها فى الاعتبار، بل أصبحت إثيوبيا تصدر تهديدًا بشكل دائم بأنها لن تتوقف عن بناء سد النهضة، وأن هناك مخططات لبناء المزيد من السدود.

فلتكن هذه التهديدات شعبوية أو مجرد شعارات انتخابية، ولكن نحن نملك الحق، وبصفتى أستاذة العلوم السياسية، ومهتمة بملف حقوق الإنسان، أدعو إلى التركيز فى الفترة المقبلة على هذا الجانب، فرئيس وزراء إثيوبيا لا يستحق «نوبل» للسلام، فمادام يهدد بلدانًا أخرى، ومادام يرفع لواء الحرب ولغة الوعيد، لا يستحق أرفع جائزة دولية للسلام، ونحن هنا لا نطلب حجب الجائزة عنه.

ولكن نركز على أنه انحرف فى مسار لا يتماشى مع الجائزة، بل وربما فى مرحلة تالية يمكن جمع توقيعات أو مطالبات برلمانية وأكاديمية بسحب الجائزة عنه لأنه يدعو إلى الحرب ولا يميل إلى السلم.

بلغة حقوق الإنسان أيضًا، يمكن الضغط على الحكومة الإثيوبية بالتحكيم الدولى فى أزمة السد، وتهديد الدول التى دعمت المشروع بأنها تتعامل مع مجرم حرب، وما يترتب على ذلك من مخالفات لمواثيق الأمم المتحدة، وهى نقطة فى غاية الخطورة، فمَن يتورط فى دعم مجرم حرب ربما يلاحقه العار أو يصبح فى مرمى النيران أيضًا، فالأمر ليس سهلًا.

مصر لديها وسائل ضغط عديدة، ويمكن أن تتعاون مع حكومات صديقة والدفاع عن المجموعات المضطهدة من قِبَل الحكومة الإثيوبية، وأن تكون صوتهم فى المحافل الدولية، والدعوة إلى محاكمة رئيس الوزراء الإثيوبى أمام المحكمة الجنائية الدولية، فالحرب فى العصر الحديث لا تتعلق بالأسلحة والحرب التقليدية، وإنما هناك وسائل مختلفة وقنوات دبلوماسية وسياسية عديدة يمكن أن تستخدمها مصر، ولنا فى الموقف التركى المتعنت فى ليبيا والبحر المتوسط عبرة، وكيف تلقت أنقرة التهديدات المصرية بالخط الأحمر فى سرت والتراجع عن الشطحات التى كانت تقوم بها هناك، كذلك الحرب على غزة كيف توقفت، وكيف تدخلت مصر لحماية الشعب الفلسطينى.

مصر بعد 30 يونيو تغيرت، والأدوات المصرية الدبلوماسية والسياسية أصبحت أكثر قوة، وحينما تطلق القاهرة خطًا أحمر لملف ما، فعلى كل الأطراف فهم الرسالة وعدم العناد، وإلا..!.

برلمانية سابقة وأستاذ العلوم السياسية

نقلا عن المصري اليوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى