هل ينجح مسلسل الأختيار 3 في توثيق مرحلة حرجة من تاريخ مصر؟

مع انطلاق سباق الدراما الرمضانية هذا العام، حاز مسلسل “الأختيار 3” على مساحة كبيرة من اهتمام المصريين نظرا لمحتواه السياسي الذي يتناول واحدة من أهم فترات التاريخ المصري المعاصر، والتي شهدت إسقاط الجيش للرئيس المصري المنتخب محمد مرسي بعد خروج مظاهرات حاشدة ضد سياساته في 2013.

وأعاد المسلسل، الذي يُعرض الجزء الثالث منه في رمضان، حالة الجدل حول الروايات والشخصيات ووجهات النظر حول أحداث تلك الفترة.

كما برز جدل من نوع آخر حول الطريقة التي قُدم بها المحتوى السياسي عبر المسلسل وهل تمت مراعاة القواعد الفنية لإنتاج الأعمال الدرامية فيه أم لا؟ وهل يمكن اعتبار المسلسل تاريخا لتلك الفترة أم أنه مجرد عمل فني هدفه التأثير السياسي؟.

“رسائل سياسية”

الروائي والباحث في علم الاجتماع السياسي، عمار علي حسن، يقول لبي بي سي: “يمكن للدراما أن تمرر رسائل سياسية بشرط ألا تجور على شروطها الفنية، وأن تكون ذائبة في العمل وغير ظاهرة وغير ملموسة وغير فجة على النحو الذي نراه في الدعاية السياسية”.

وأضاف حسن أن هدف مسلسل الاختيار واضح من البداية من خلال مشاركة الشؤون المعنوية للقوات المسلحة المصرية في إنتاجه. فهو ينقل رسائل محددة لجمهور الدراما من خلال بعض الحقائق التي كانت متوارية في تلك الفترة.

ويٌعد تصدي الأعمال الفنية لقضايا سياسية واجتماعية وحتى اقتصادية أمرا مألوفا في الدراما والفن عموما. فلطالما كانت الأعمال الفنية في مصر وغيرها من دول العالم تشتبك مع الواقع والأحداث التاريخية التي تسود الفترات الهامة من حياة المجتمعات.

وبحسب صناع مسلسل الأختيار 3، فقد حققت أفلام أٌنتجت في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، نجاحا كبيرا إذ تناولت القهر وممارسات الدولة البوليسية خلال عهد الرئيس جمال عبد الناصر الذي سبقه إلى سدة الحكم.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك فيلم “الكرنك”، الذي أٌنتج عام 1975 المأخوذ عن قصة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، والذي تناول تلك الممارسات القمعية بالتفصيل.

محمد عبد الرحمن، الصحفي المتخصص في قضايا الإعلام ورئيس تحرير موقع إعلام دوت كوم، يقول لبي بي سي: “استخدام الدراما في توصيل رسائل سياسية ليس جديدا، فالفن يستخدم طوال الوقت لزيادة الوعي أو تكوين صورة ذهنية معينة. والسينما الأمريكية كان لها الدور الأكبر في تكوين صورة الولايات المتحدة التي يراها العالم، و أعتقد أنه هدف من أهداف الدراما ليس من المنطقي انتقاده”.

وأضاف: “الفكرة هنا هي كيف يتم استخدام الدراما في توصيل الرسائل السياسية، ووسائل الإعلام في السنوات العشرة الأخيرة فقدت تأثيرها على الجمهور، مما جعل الدراما هي المرشح الأفضل لتوصيل تلك الرسائل”.

وتابع عبد الرحمن: “بعد النجاح الذي تحقق من الجزئين الأول والثاني من مسلسل الاختيار، أصبح الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الجزء الثالث وغيره من الأعمال من نفس النوع”. وقال إنه يعتقد “أن محتوى المسلسل يلبي مطلبا كنا نردده دائما بعودة المسلسلات العسكرية والأفلام الحربية و أفلام الجاسوسية والمخابرات”.

ياسر جلال

أشاد كثيرون بالأداء الصوتي لياسر جلال، بطل مسلسل الأختيار 3 الذي جسد دور السيسي، إلى حد التشكيك في أنه صوت الممثل

دراما وثائقية وتأريخ

تضمن مسلسل “الأختيار 3” دمجا بين وقائع حقيقة وخيال الكاتب والمخرج من خلال وضع مشاهد حقيقية من الأحداث التي شهدتها مصر في يونيو ويوليو 2013 ومشاهد أخرى صاغها صناع العمل.

وكان هذا الأسلوب جديدا على مشاهدي الدراما المصرية، خاصة وأن تلك الأحداث ليست بعيدة، وقد عاصرها أغلب الجمهور المصري منذ سنوات قليلة مضت.

ويرى الباحث عمار علي حسن أن المسلسل له أهداف معينة يريد تحقيقها ورسائل يريد أن يوصلها حول الأوضاع العصيبة التي مرت بها مصر خلال حكم الإخوان والتي لا يعرفها الكثيرون. واعتبر أن توظيف المشاهد الحقيقية في المسلسل يمكن التعويل عليه بأنه تأريخ، وإن كان منزوعا من سياقه، فربما معرفة السياق أو كامل المشهد يجعلنا نستنتج أمورا أكثر دقة وأكثر عمقا في الحكم على ما جرى، حسب تعبيره.

 

ويوضح قائلا: ” إن باقي المسلسل هو عمل درامي، وليس تأريخ دقيق لهذه الحقبة، إنما يمثل وجهة نظر أو رواية واحدة. وحتى نستطيع الوصول إلى حقيقة ما جرى، لابد أن نشاهد روايات أخرى تقربنا مما جرى، إذ أن وثائق هذه المرحلة لم تقع عليها عين أحد ولا تزال مؤسسات وأجهزة الدولة فقط هي التي تمتلكها”.

في المقابل، هناك من يرى أن المسلسل ينتمي إلى فئة الدراما الوثائقية وأنه محاولة لتأريخ ما حدث في تلك الحقبة الزمنية وأنه حقق هذه الغاية.

الممثل والمخرج المصري محمود عزت يرى أن الدمج بين الدراما والأحداث الحقيقة من خلال بعض التسريبات أمر ممكن. فإن هذا الدمج يضيف المزيد من المصداقية للعمل عند عرضه للأحداث التاريخية والسياسية”.

ويتفق عبد الرحمن مع عزت على أن المسلسل حقق الهدف المأمول منه فيما يتعلق بالتوثيق والتأريخ.

واعتبر عبد الرحمن أن هذه التجربة سوف تظل محل دراسة لسنوات لأن كل ما فيها غير مسبوق فيما يتعلق بقواعد العمل الدرامي، خاصة أنه يقدم فترة لا تزال معاصرة”، مشيرا إلى أن ذلك قد يثري الدراسات الدرامية والنقدية حول إنتاج دراما وثائقية معاصرة، حسب قوله.

في المقابل، يرى البعض أن الجانب التاريخي والتوثيقي لهذا العمل الدرامي لا يمكن أن يقدم بالشكل الأمثل لأنه لا يزال الوقت مبكرا على عرض هذه الحقبة الزمنية من تاريخ مصر بشكل متوازن.

ويقول عمار علي حسن: ” أننا لا زلنا في مرحلة مواجهة واحتقان ودعايات سياسية، لكن فيما بعد يمكن لمؤرخين ثقات أو عدول أو يقفوا على حقيقة ما جرى في تلك الفترة”.

ويتفق معه عزت بالقول: ” أعتقد أنه من المبكر الحكم على تلك الأحداث وتحليل أبعادها السياسية، أما إذا كان هدف الدراما هو التوثيق فقط وتسجيل لحظة تاريخية سياسية من عمر الزمن، فليس من الضروري أن تحتاج لكثير من الوقت للتصدي لها دراميا”.

رد فعل

وأثار المسلسل جدلا كبيرا على وسائل التواصل الاجتماعي بين من يرون أن استغلال الفن في توصيل رسائل سياسية يُعد اتجاها إيجابيا يحتاجه المشهد الحالي في مصر كأحد أنواع القوى الناعمة التي تستخدم للتأثير في الرأي العام، وأخرون انتقدوه لأنه يعرض الأحداث من وجهة نظر واحدة وهي الدولة المصرية.

ويقول عبد الرحمن: “من الطبيعي أن تعبر تلك الأعمال الدرامية عن وجهة نظر الجهة المنتجة (مؤسسات دولة)، وهو أمر منطقي لأن هذه الجهات لديها معلومات وكانت شاهدة على الأحداث وتقدم شهادتها من وجهة نظرها”.

أما حسن فيري أن “الجدل حول المسلسل يذكر بحالة الانقسام التي سيطرت على الشارع المصري في يونيو ويوليو 2013، لكنه بالطبع أقل حدة بكثير”

ويتابع: “الناس تجاوزوا هذه المرحلة وكثير منهم يريد أن يقلب هذه الصفحة لأن هناك مشكلات جديدة مطروحة على الساحة سواء كانت اقتصادية أو سياسية وهناك قضايا تتعلق بوجود الدولة المصرية نفسها مثل قضية السد الإثيوبي، والرأي العام يريد أن ننتقل إلى الأمام ولا نتوقف عند تلك المرحلة”.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى