أشرف راضى يكتب..التعديل الوزاري والتغيير المنشود

عند بحث أي ملف من الملفات الرئيسية في الشأن العام، ينتهي الرأي غالبا إلى نتيجة واحدة، وهي أن الأمر في شأن مثل التعليم، على سبيل المثال، يتجاوز مسألة الإصلاح وضرورة التغيير الجذري، وكذلك الحال بالنسبة للصحة وقطاعات أخرى ترتبط بمفهوم السياسات العامة. فقد وصل التدهور في هذه القطاعات إلى حد بات من الصعب معه الاستمرار بنفس طريقة التفكير وتداعت جوانب في القطاع إلى حد لم يعد يصلح معها إصلاحا وإنما المطلوب نهج جديد وتغيير جذري، تماما مثلما يحدث مع كثير من مشروعات البنية التحتية الجاري تنفيذها على قدم وساق.

قد تبدو هذه المقدمة بعيدة بعض الشيء عن عنوان المقال الذي يتناول التغيير الوزاري الذي أُعلن عنه في جلسة طارئة لمجلس النواب صباح اليوم السبت والذي طال 13 منصبا وزاريا، لكن المتعارف عليه في عالم السياسة أن أي تعديل أو تغيير وزاري يعطي رسائل محددة عن توجه السياسات العامة للدولة وأن هذه الرسائل تمضي لجهات أبعد مدى ولا تقتصر فقط على اللاعبين المحليين، ولا شك أن هذه الرسائل تؤثر على قرارات هذه الجهات فيما يخص الشؤون المصرية، هذا بخلاف الأطراف المحلية المعنية لا سيما تلك المنخرطة في حوار وطني لم يبدأ بعد بشكل فعلي وعملي، وكانت هناك توقعات لدى كثير من المعنيين والمراقبين بأن يكون التعديل الوزاري أحد نتائج هذا الحوار، ذلك أن المنصب الوزاري هو منصب سياسي بالمقام الأول. وعليه، فإن الإقدام على هذه الخطوة في هذا التوقيت تعطي رسالة خاطئة بشأن جدية القيادة السياسية في دعوتها إلى حوار وطني وبشأن المرجو من هذا الحوار.

لكن الأمور في بلدنا العزيز لا تمضي على هذا النحو منذ عقود، إلا فيما ندر، وكثيرا ما كانت التعديلات الوزارية والاختيارات أشبه ما يكون باللغز الذي يحتار المراقبون في حله وفك رموزه: لماذا وقع الاختيار على هذا الشخص أو ذاك لشغل هذا المنصب، وكثيرا ما يكون بعض هذه الاختيارات أقرب إلى العبث على النحو الذي جسده فيلم “معالي الوزير” الذي قام ببطولته أحمد زكي، وربما ينطبق هذا الأمر على بعض الاختيارات في التعديل الحالي ومن حق أي مراقب أو متابع للشأن العام عن علاقة موظف مصرفي بالسياحة والآثار. في تقديري أن هذا الاختيار سيشغل المراقبين الشغوفين بحل الألغاز لشهور ستأتي، على الأقل إلى ان تتضح والمؤهلات الخافية على العامة والمعروفة جيدا لأولي الأمر التي وقفت وراء هذا الاختيار. قد تكون الرغبة في إعطاء رسالة واضحة بشأن التغيير في هذا المنصب لكن الرسالة تجاوزت كل حدود وربما كل خيال.

لكن، التعديل الوزاري الأخير والذي طال انتظاره لا يعكس على الأرجح توجها سياسيا جديدا للوزارة، والحديث عن الاختيار ركز على “أولي العزم” يشير على الأرجح إلى استمرار النظر للوزير على أنه منصب تنفيذي وليس منصبا سياسيا، وبالتالي لا معنى لاستبدال الوزير طارق شوقي وزير التعليم بنائبه الدكتور رضا حجازي، ولا معنى أيضا لتحميل الوزير السابق ولا نائبه الذي سيحل محله المسؤولية عن السياسة التعليمية، إن وجدت، ذلك أن الاثنين ينفذان سياسات أعدت لهم وأن القرارات التي اتخذت في مجال تطوير التعليم لا علاقة لها بتصور عام للسياسة التعليمية والمستهدف منها ولا تعبر عن أي مستوى من التخطيط يوازن بين التكلفة والعائد. وكذلك الحال مع عدد من الوزارات التي استبدل فيها الوزير الحالي بنائبه، وهو تفكير يعكس مدى الحذر الذي يلتزمه صانع قرار التعديل الوزاري ويعكس رغبة في الإبقاء على السياسات الراهنة وأيضا الحفاظ على آلية تنفيذ هذه الوزارات.

بعض التعديلات التي أعلن عنها تأخرت كثيرا لأن التغيير كان مطلوبا منذ فترة لاعتبارات تخص أزمات تعرض لها بعض الوزراء مثلما حدث مع وزيرة الصحة السابقة ومع وزيرة الهجرة والمصريين بالخارج، أو جاء لتهدئة الرأي العام الذي يصب غضبه ومنذ سنوات على وزير التعليم بسبب نتائج الثانوية العامة وما يشوب عملية الامتحانات والتصحيح والنتائج من لغط وروايات لأولياء الأمور والطلبة يصعب تصديقها لكن هناك مؤشرات لا بد من الالتفات إليه والانتباه إلى خطورتها على المستقبل في مصر الذي يعد التعليم أحد المفاتيح الأساسية لصناعته. وهو موضوع يستحق مقالا مفصلا ومستقلا عن حالة التعليم في مصر وكيفية الخروج من أزمته الحالية وهو موضوع يخضع لنقاش منظم في بعض الدوائر في المجتمع المدني والمبادرات المجتمعية والبحثية المستقلة. لكن هناك اختيارات أخرى قد يكون لها منطق خصوصا في ضوء مؤهلات الشخصيات التي وقع الاختيار عليها لشغل المنصب، مثل وزارة الموارد المائية والري ووزارة الثقافة وغيرها من الوزارات التي تحتاج مؤهلات خاصة واستعدادا لمن سيشغل هذا المنصب.
لكن التعديل الوزاري المعلن رغم الملاحظات الواردة عليه مناسبة لمناقشة العلاقة بين السياسة والتنفيذ وجدل الإصلاح والتغيير.

بين السياسة والتنفيذ
الوزير هو من يتحمل وزر السياسات التي يطبقها، سواء شارك في صنع هذه السياسة أم لم يشارك وبغض النظر عن مساحة الاستقلالية التي يتمتع بها في مناقشة أو تعديل القرارات التي يتخذها. وهو عندما يقبل شغل هذا المنصب سواء سعي إليه أم رشح له ووجد حرجا في الاعتذار عن شغله، أو قبله مضطرا، يوافق على هذا الوضع. والحقيقة أن الوزير في مصر يكون غالبا في وضع لا يحسد عليه، فهو في وضع صعب بين مرؤوسيه في الجهاز البيروقراطي للوزارة بين وبين القيادة السياسية والهيئات الرقابية المنتخبة والتنفيذية وفي مواجهة مباشرة أمام الرأي العام والصحافة، والأخطر من هذا أنه غالبا ما يجد نفسه في مواجهة شبكات للمصالح ومجموعات للضغط يصعب التصادم معها. وقد يجد البعض أحيانا أن الأسلم ألا يتصادم معها ويؤثر الكثير أن يوفروا على أنفسهم الجهد المبذول من أجل تعديل ميزان المصالح المتحكم في السياسة العامة في هذا القطاع أو ذاك، ولا يفعل ذلك إلا مضطرا ومن أجل حماية نفسه ومصالحه. إن هذا الوضع هو أحد النتائج المترتبة على الفصل بين السياسة والتنفيذ ونسيان أو تجاهل حقيقة أن أهم مؤهل لمن سيشغل منصبا وزاريا رفيعا، هو أن تكون لديه مؤهلات ومهارات سياسية. فالسياسة هي التي ستعينه على تحقيق التوازن المطلوب بين المصالح المتعارضة والمتضاربة والمتصارعة غالبا في القطاع أو القطاعات التي تغطيها وزارته. ويزداد الوضع صعوبة عندما لا توجد هياكل مؤسسية واضحة لصنع السياسات وتذليل العقبات أمام تنفيذها عبر إجراءات تشريعية وتنفيذية معاونة.

رغم التزام القيادة السياسية بالدستور بدعوة مجلس النواب لعرض التعديل الوزاري على أعضائه والحصول على موافقتهم، إلا أن العلاقة بين المجلس باعتباره سلطة التشريع والرقابة على أعمال السلطة التنفيذية، وبين الحكومة لا تزال بعيدة كل البعد عن التطبيق الكفوء فيما يتعلق بالمسؤولية السياسية للحكومة وأعضائها، وكذلك فيما يتعلق بصنع السياسات العامة والدور المرجو والمنشود من الحكومة. ورغم وضوح النصوص الدستورية التي تحدد العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية إلا أن وضع هذه النصوص موضع التطبيق وتفعيلها بحاجة إلى إعادة نظر جذرية. كذلك، فإن العلاقة بين رئيس مجلس الوزراء، والوزراء، تؤثر كثيرا في السياسة العامة للحكومة، حتى لو اقتصر دور الحكومة بكل مستوياتها على التنفيذ فقط. فمن الناحية النظرية، يتمتع الوزير المختص بصلاحيات واسعة وباستقلالية عن توجيه رئيس مجلس الوزراء لكن من الناحية الفعلية يتحمل الوزير منفردا مسؤولية أي خلل عند تنفيذ التوجيه السياسي المطلوب دون أن تتوافر له آليات لمناقشة هذه السياسة التي يحتمل أن تكون هي مصدر الخلل والأزمة ويتحول الوزير في نهاية الأمر إلى كبش فداء يتم التضحية به إرضاء للرأي العام أو لجماعات المصالح النافذة ولا يؤدي تغييره غالبا إلى تحسين الوضع ذلك أنه لم تجر معالجة السبب الجذري للخلل أو مصدره. فحقيقة الأمر، أن الحكومة لا تعمل كمنظومة متآلفة وهذا يفتح الباب أكثر لتعاظم نفوذ جماعات المصالح الخاصة وسعيها للتأثير على سياسات الحكومة وتحقيق أكبر قدر من المكاسب على حساب الصالح العام الذي يفترض في أي حكومة أن مهمتها الأولى هي الحفاظ على هذه المصالح العامة والدفاع عنها في مواجهة المصالح الخاصة كي يتحقق التوازن في المجتمع وتنتظم عملياته الأساسية.

خلاصة القول، انه لا بد من إعادة الاعتبار للسياسة كنشاط أو شاغل رئيسي للحكومة، خصوصا في المناصب الوزارية والمناصب العليا في الوزارات فهذه مناصب سياسية في المقام الأول وهي الموجهة والمرشدة والمتفاعلة مع المستويات التنفيذية في الجهاز البيروقراطي للحكومة وهي في حالة جدل دائم واخذ ورد مع هذه المستويات تحقيقا للتوازنات المطلوبة بين المصالح من ناحية والتعامل مع الفرص والقيود من ناحية أخرى. واعتقد أن ما أطرحه هنا هو مسألة بديهية متعارف عليها في كل الدول وهي أحد الآليات الأساسية لمحاربة الفساد وفي المقدمة منه الفساد المؤسسي وهي آلية رئيسية لاتخاذ الآلية المناسبة لتحقيق أهداف السياسة العامة أما ترك الأمر على هذا النحو لن يؤدي إلى تغيير في الوضع القائم ويفتح الباب واسعا لأن تتوسع دوائر المصالح الخاصة ويتعاظم نفوذها على حساب الصالح العام وهكذا تتفاقم الأزمات على نحو يؤثر على الاستقرار على المديين المتوسط والبعيد وأخشى أن يؤثر هذا الوضع على الاستقرار في المدى القصير إذا استمر الوضع على ما هو عليه، خصوصا مع تزايد الارتباك والتخبط في معالجة الآثار المترتبة غياب السياسة كأهم مؤهل لشاغل المنصب الوزاري الرفيع.

بين الإصلاح والتغيير
إن جدل الإصلاح والتغيير أحد الشواغل الأساسية للساسة في عالم تتسارع فيه وتيرة التغيرات الناجمة عن الطفرات الحادثة في تكنولوجيا المعلومات مع الانتقال من البيانات الضخمة وتعلم الآلة إلى الذكاء الاصطناعي والطفرات المعرفية الهائلة في الفلك والأحياء وعلم الأنثروبولوجيا المعني بدراسة الجوانب المختلفة لنشاط الإنسان. أحد النتائج الأساسية هو انتهاء ذلك النمط من الاختيارات والسياسات الذي يفاضل يوازن بين الإصلاح والتغيير، مع تراجع السياسات المحافظة التي تسعي للحفاظ على الوضع القائم إعمالا لقاعدة أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان. حتى الاتجاهات المحافظة الجديدة في السياسة تسعى لتغيير الوضع القائم الذي يهدد بقاءه أو استمراره المصالح التي تمثلها هذه التوجهات المحافظة، مع احتدام صراع مصالح القوى الضاغطة من أجل التغيير. الكل يعمل الآن بمقولة الفيلسوف والمفكر الاقتصادي الأشهر على مدى قرون كارل ماركس: “شغل الفلاسفة بتفسير العالم في حين أن المطلوب تغييره”. ومع تسارع وتيرة التغيرات الحادثة في شتى جوانب النشاط الإنساني والتأثيرات الجذرية التي ترتبت على هذا النشاط في مجال البيئة والاتصالات، أصبحت إدارة التغيير أحد المقومات الأساسية للسياسي في عالم اليوم.

علينا أن نضع هذا في الاعتبار عند النظر إلى وزارتين لهما تأثير مباشر على المستقبل، هما وزارة التعليم ووزارة الثقافة، إلى جانب وزارات أخرى يتأثر عملها بمخرجات هاتين الوزارتين مثل وزارة الصحة ووزارة القوى العاملة وغيرها من وزارات من المفترض والواجب أن تعمل في تنسيق واتساق مستمر لتدبير احتياجات المجتمع. يجب أن ندرك أن التغيير ليس تغييرا في الأشخاص وإنما يجب أن يكون تغييرا في النهج وأساليب التفكير. علينا أن نواجه مشاكلنا بصراحة وشجاعة وإقدام وأن نكف عن منطق التبرير وثقافته. إن هناك أوضاعا وظواهر في مجتمعنا لم يعد من المقبول أو الممكن تجاهلها وتجاهل الأسباب التي أدت إليها. علينا الاعتراف بأن الأزمة المزمنة في منظومة التعليم التي تحولت إلى خلل يهدد بانهيار شامل للمنظومة هو وضع خطير ولا يمكن القبول باستمراره، وعلينا ان ندرك أن الحل لا يكمن في وزير التعليم ووزارته وحدهما، وإنما بحاجة إلى تحرك سريع وشامل يعطي إشارة واضحة أن هذه القضية أولوية قصوى للمجتمع والدولة بكل شرائحهما وقطاعاتهما. علينا أن ندرك أن الاستثمار في هذا المجال هو استثمار في المستقبل وأن أسواق العمل في العالم ستعاني من نقص شديد لن تملأه سوى الكوادر المدربة والمتعلمة وعلينا ان نفكر في نوع التعليم الذي يحقق هذا الهدف.

الأمر ذاته ينطبق على وزارة الثقافة والهيئات التابعة لها، وخصوصا الهيئة العامة لقصور الثقافة. الجميع يدرك أن تراجع الثقافة ودورها وتهميش المثقفين والمبدعين أحد الأسباب الرئيسية لحالة التجريف التي يعاني منها المجتمع والتي قادت الشباب إما إلى التطرف والاستسلام لأيديولوجية الإرهاب الموجه بالدين أو إلا حالات من العبثية والاستسلام للمخدرات وعوالما الخفية والمعلومة. قد تكون وزارة الثقافة أفضل حالا من حيث البنية التحتية والهيئات المعاونة مقارنة بكثير من الوزارات الأخرى، وقد لا يحتاج الأمر في هذه الوزارة لأكثر من وزيرة أو وزير لديها رؤية ورغبة في تحقيق الاستفادة القصوى من هذه الهياكل والأدوات المؤسسية وتفعيلها على مستوى الجمهور وجذب قطاعات من الأجيال الجديدة والشابة للنشاط الثقافي والرياضي والفكري. وهذه الوزارة ستحقق نتيجة أفضل إذا ما جرى إعادة تخطيط لأنشطتها بالتنسيق والتعاون مع وزارة التعليم.

إن البدء بالتخطيط لقطاعي التعليم والثقافة وبين الوزارتين ووضع سياسة عامة تعتمد على الوزارتين قد يكون مقدمة لتغيير في النهج والتفكير يضعنا على مسار ضروري من أجل المستقبل. ومن شأن البدء بهاتين الوزارتين أن يدمج وزارات أخرى مثل التعليم العالي والبحث العلمي والقوى العاملة في تخطيط السياسات العامة. إن الصالح العام يقتضي بدء مثل هذا النوع من الحوار بشفافية وحرية ووضوح وهو أمر يحول دونه الوضع الراهن لحالة الإعلام عندنا وهو موضوع يستحق تناولا مستقلا ومفصلا وصريحا. فما يحدث في هذا القطاع خطير وقد تكون هذه المساحة المحدودة المتاحة للتعبير أحد البدائل غير الكافية لمثل هذا النوع من الحوار لكن من الواجب استغلالها لعل تجد هذه الكلمات طريقها إلى عيون تبصر وآذان تعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى