سوزان حرفي رئيس لجنة العدالة الانتقالية والمواطنة تكتب 25 يناير… النور في النفق

 هناك على بعد 12 عاما حيث ضوء الشمس يشرق من بقعة؛ هي مركز الأرض حينها، وينبعث الدفئ من قلب ميدان؛ هو مساحة الوطن وعرضه، كان الميلاد والتتمة، ميلاد الأمل والفاعلية وتتمة سنوات بحث عن حرية وعدالة في بلد غاب فيه معنى الدولة والمواطن.

جاء الحدث كـ”معجزة” لم يستطع الملأ أمامها إلا التسليم؛ تعلق وتلحف بها كاريهوه قبل صانعيه؛ ألبسوه ثياب القداسة؛ ثورة نور وسط ظلام لامبالاة، ربيع مصري في عز صقيع الشتاء، شرعية لا تضاهيها شرعية، باسمها تحدث البعض وتفاوض، وتحت ستارها وصل الإخوان للحكم، ولاستكمال مسيرتها كانت 30 يونيه.

ثورة في مرحلة الحضانة يتصارع عليها الكل، تنقلت معهم بين برلمان ودستور وسلطة حكم ومعارضة وشارع، انتصرت وتعثرت وانهزمت على الألسنة وفوق المنابر وأمام الكاميرات، وهي بالأصل لم تحكم ولم تتعرف على مَّن يحكم باسمها أو نيابة عنها.

وقبل أن تقف على قدمين تحولت لثورة خراب وهدم، وفي أفضل أحوالها هوجة، جاء الوعد والوعيد من الممسك بزمام الأمر بعدم تكرارها، وعلى نغمة الحرب ضدها عزف ورقص زمرة مهللين كانوا بالأمس مدافعين عنها؛ متغزلين في ملامحها وتقاطيعها الحلوة.

لم يوضح المتوعدون عن أي يناير يتحدثون، هل يناير الشرعية التي أوصلتهم للسلطة وأبقتهم على الكراسي، أم يناير الذي استغله كل مَّن بيده قوة! يناير الفعل أم يناير رد الفعل، يناير الشباب الذي لم يغريه الحكم والسلطة واكتفى بكونه موجها ثم متهما، أم يناير الذي كشف اهتراء أجهزة الدولة وزلزلها فانسحبت ثم عادت لتنتقم وتثأر منه ومن قادته والداعين إليه والمنتمين والمصدقين به، يناير الثورة مجمعة الوطن أم تلك التي يتحارب عليها وبها طرفا سلطة؛ إحداهما أٌسقطت وأخرى في الحكم!

يناير الذي ارتدى ثوبه الإخوان وأتابعهم، وهو منهم ومن رؤيتهم براء، أم الذي تعمد النظام يدفع المواطن ثمنه في الميدان وفي لقمة عيشه؛ وفي بيته وخلف القضبان، يناير الثورة الحرة أم تلك التي تم استغلالها وتشوهت، فيناير رايح جاي، اليوم يخدم أهدافا فهو ثورة ولم يكن عنه بد، وغدا يهدد عرشا فهو رجيم.

هناك حالة ولا أقول مؤامرة؛ ليكون هناك أكثر من يناير، نتوه بينها ويغيب صوته ويختفي أثره، لكننا لم نعرف إلا يناير واحدا يكرهونه ويسعون لإغتياله!

يناير الذي زرع الأمل وانتصر على الخوف، يناير الثائر على من ترك للإخوان المجال العام لينمو ويقتسموا معه المساحة، واتخذهم فزاعة تضمن له البقاء، وكانوا منه كما الأجهزة، انتظرت وراقبت ثم قفزت وانقضت، يناير الذي كشف إدعاء الجماعة واسقطهم عن السلطة؛ وأعادهم في الشارع عقودا للخلف.

يناير الثورة التي لم ترتبط بهدم وفوضى، بل كانت طريقه الوحيد لوضع قواعد تضمن قوة الدولة وانتقال سلمي للسلطة، وفرضت ميادينه الإسراع بتشكيل مؤسسات الحكم وانتخاب برلمان ورئاسة ودستور، واستجابت لنتائج الصندوق ثم خرجت على من انتهك شروطه؛ واسقطته دفاعا عن الوطن.

يناير الذي انتفض على فشل الدولة وأجهزتها، وانهيار خدماتها لمستوى “الكُهنة” على حد تعبير الرئيس، وخرج طلبا لإعادة بناءها لتؤدي دورها باحتراف دون تحيز ولا تجبر؛ يناير الذي هتف “بدولة جديدة” يتشارك فيها الجميع، عمادها الديمقراطية والفصل بين السلطات، وبمصر ذات مكانة؛ ومصري له كافة الحقوق والحريات، ألا يتسق ذلك وشعارات “الجمهورية الجديدة”!.

هذا يناير الذي نعرفه، ويتبرأون منه، وقد برى البعض أن الاستهداف نجح، وأنه لم يبق من يناير إلا ذكرى مشوهه، وشباب يلملم جراحه ويبحث عن توازن ومورد حياة، لكن استمرار الحرب حتى اللحظة هي عين انتصار يناير وما فيه من قيم ومعان، فبعد أن انفض السامر وراح كل في طريقه، ذهب الزبد ولم يبق إلا ما ينفع.

بقيت يناير التي تخيف المبطلون وبقي معها المؤمنون بحق كل فرد بالعيش الكريم والحرية والعدالة، الراغبون بدولة لا تعرف الاستبداد واحتكار السلطة ولا انتهاك الحقوق، الساعون لبناء مؤسسات تزدهر بالقيام بدورها لا لخدمة حاكم فرد، الحالمون بمستقبل الكفاءة وتكافؤ الفرص دون تمييز.

يناير باق في وجه من يكره الصوت الأخر، أو يسعى لقتل القدرة على الفعل والتغيير، باق بسره الذي لم يستثمره أهل الحكم، بقيمة الإنسان المتحقق الفاعل الذي يمثل مناعة هذا الوطن والمساهم في بنائه والزود عنه، باق بشوارع توحد الوطن؛ شعبه وجيشه وشرطته.

ورغم المرارات، طوبى لكل هؤلاء ذكرى يناير، وبقائه نورا في النفق حتى تتحقق أهدافه بمن صدَّق وصدق؛ أيا كان موقعه في الدولة.

Related Articles

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Back to top button